أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٢ناسيا، ولا أتعمّده، ولا أظنّه، ولا أشكّ فيه، ولا أتوهّمه، ولا أحدّث به نفسي، ولا يخطر ببالي، ولا يقع في هاجسي ولا خيالي، وإن أرغمت وإن أجبرت، وألجأتني الضّرورة – لا قدّر الله، والله يا لطيف على النّطق به- فإنّني أستبدله بالـ … بو .. لتيك(1)، إذ أنّ هذا اللّفظ معناه الخاصّ في دائرته الضّيّقة المحدودة، وحدّه الفاصل بين ما هو من السّياسة – استغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة- وما ليس منها".(2)
الجمل الاعتراضية في النّصّ أبانت عن ازدراء الكاتبِ المستعمرَ، الذي كرّه إلى النّاس السّياسة، وحملهم على لعنها، ففي الدعاء " لا قدّر الله، والله يا لطيف على النّطق بها " إشعار بروح الاحتقار والسّخرية من الخانق على الحرية؛ إذ الكاتب يحترس حتىّ من النّطق بها مخافة التّلبس بتهمة الإجرام، مع أنّ ممارسة السّياسة حقّ شرعي.
كما أنّ في هذه الجمل " أستغفر الله وأتوب إليه، وأقلع عن هذه الزّلة " اعترافًا ضمنيًا بارتكاب الجريمة، وتعهّدًا بعدم اقتراف زلّة ممارسة السّياسة، كما أنّ فيها أيضا استهزاء واحتقارًا للمستعمر، الذي لا يراعي الحقوق، ولا يرعى الذّمم، فيلجئ أصحاب الحقوق إلى التّخلّي عنها، والاعتذار عن اقتراف زلّة ممارستها.
في هذا الاستعمال دلالة نفسيّة عميقة على حالة التّذمّر والسّخط، التي عاشها الكاتب، وعلى حالة الإحباط، التي شعر بها، وهو يرى نفسه مقيّدة، لا تتمكّن من الانطلاق بحرية لممارسة حقّها المشروع، ويجد قلمَه محجّرا عليه لنقل مشاعره وتبليغ أفكاره.
من الأساليب التي اعتمدها الكاتب – أيضا- في سخريته، أسلوب التّعريض، الذي يعتمد على التّعبير غير المباشر واللّعب بالمعاني، من غير أن يكون بين المعاني تلاؤم مشروط. " وهو الكلام الذي لا يقصد به المتكلّم معناه، وإنّما يقصد معنى آخر، وليس بين المعنيين تلازم "(3).
(1) - ارتكب الكاتب خطأ لغويا. المفروض أن يقول: أستبدل به البولتيك (السّياسة).
(2) - "أديب و … "، " أعوذ بالله من السّياسة "، جريدة البستان ع:6 (06/ 06/1933م) النّصّ لأبي اليقظان.
(3) - د. حامد الهوّال، السّخرية في أدب المازني، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، سنة 1982م، ص: 44.