أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٤caissier): أمين الصّندوق. هذا الاستعمال هو خروج عن مألوف الكاتب، بل عن المألوف بعامّة. لجأ الكاتب إلى هذا ليعبّر ويفصح عن الحالة النّفسيّة غير الطّبيعية التي كان عليها.
يعرّض الكاتب نفسه – متحسّرا متألّما- بالظّلمة والمستبدّين، الذين أذلّوا الشّعب الجزائري وقهروه، وذلك باقتراحه على الجمعية السّياحيّة الأوروبيّة، التي طلبت من بلديّة الجزائر أن تهيئ لأعضائها حوضا من الماء الحلو لينزلوا فيه بعد خروجهم من البحر؛ لينزعوا من جلودهم ملوحة البحر، حتّى لا تحترق بأشعّة الشّمس التي لا يطيقونها.
يقدّم اقتراحه بعد أن رفضت البلدية طلبها: "ونحن نقول لهم الأمر بسيط جدًّا، لا يكلّفهم أدنى تعب، نحن الذين فاضت عيوننا دما من شدّة الظّلم والاستبداد .. لنا حمير – كما لهم- ذوات رجلين، إن شاؤوا استبدلناهم بجلودنا الغليظة، التي لا يؤثّر فيها ماء البحر المالح، ولا شمس الجوّ الحارّة … فبهذا يرتفع النّزاع بين الحكومة والجمعيّة بسلام، ونراها أنجع وسيلة لفضّ هذه المشكلة المعقدة"(1).
الحسرة بادية في هذا النّصّ، فالكاتب يعرّض – متألّما - بهذه الأفكار السّخيفة التي تفكّر في الكماليات، وفي وسائل التّرف، في حين يرزح كثير من النّاس تحت نير الظّلم والقهر، ولا يجدون أدنى شروط العيش، وأبسط وسائل الحياة. كما يكون التّعريض في هذه الصّورة الحزينة التي قدّمها عن الاستعباد وكثرة الاعتداءات، وفظاعة التّعذيب والتّنكيل والاحتقار، المتمثّلة في صورة الحمير البشرية، … التي تمتلك - … بسبب الممارسات التعسّفية والاعتداءات الجسدية المتكرّرة ضدّهم - جلودا غليظة لا تؤثّر فيها الشّمس الحارّة، ولا ماء البحر المالح؛ مصداقا لقول المتنبي: "وما لجرح بميّت إيلام". إذ كان بإمكان أعضاء الجمعيّة السّياحية الأوروبية أن يفضّوا مشكلتهم المعقّدة، ويزيلوا الخلاف بينهم والبلدية بحلّ بسيط جدّا لو استعاروا جلودنا؛ فيقوا أنفسهم شرّ العواقب. فهذا هو التّعريض عينه.
بأسلوب التّندّر يحدّثنا أبو اليقظان عن مهزلة الانتخابات، والأسلوب الذي كانت تمارسه فرنسا في الجزائر؛ لتوهم النّاس بالحصول على حقوقهم،
(1) - "فلاح البستان" جريدة البستان، ع:10 (11/ 07/1933م) المقال لأبي اليقظان. ارتكب الكاتب خطأ لغويا، إذ المفروض أن يقول استبدلنا بهم جلودنا.