أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٥بينما هي تقوم بعمليّة تخديرهم وتنويمهم؛ لتلهيهم عن المقاومة والعمل الجهادي.
صوّر الكاتب ذلك في شكل قصّة قصيرة رامزة كان أبطالها فواكهَ وبقولا: " بما أنّ السّعادة عند علماء اللّغة والفلسفة هي الضّحك، فقد رأينا أن نتحف القرّاء بقصّة طريفة في القرن العشرين، قرن النّور والحضارة والتّمدّن والحرية، وهي أنّ البقول والفواكه اشتركت مع الإنسان في الحقوق، ودخلت معه في ميدان الانتخاب. فقد انتخب الباذنجان والفلفل والطماطم والبصل والثّوم والقرع، مع مشاركة مادة القطران معهم، وانتخبوا السّيّدة (كبوية) رئيسا، فقد أصابوا، إذ هو كبير الجسم مجوّفه، مكوّر الشّكل، فارغ الفؤاد. فنهنّئه بهذا الفوز، ونتمنّى له الانتشار، ونقول له بملء أفواهنا في بوق إسرافيل مبروك"(1).
التّنكيت والتّندر يبدوان في هذه القصّة المفتعلة الرّامزة، التي تختصر المسافة إلى الهدف، وهو فضح مهزلة الانتخابات، وتنبيه النّاس إلى عدم الوثوق بهذه الممارسات؛ لأنّها إحدى مؤامرات العدوّ ودسائسه. وقد وفّق الكاتب في اختيار فاكهة (الكابوية) لتمثّل الرّئيس، الذي وقع عليه الاقتراع؛ تنكيتا وتقريعا لمن ينحرف في سلوكه عن سواء السّبيل؛ لأنّ " الكابوية " بشكله الكبير المكوّر المجوّف الفارغ، يمثّل نوع النّاس الذين يفوزون في الانتخابات، التي تنظّمها فرنسا، وتوجّهها كيفما تشاء، وبما يتماشى مع مصالحها.
العبارة الأخيرة تعصر ما في قلب الكاتب من كمد وحسرة وألم؛ بسبب الممارسات التي تنال الأمّة في الصّميم – فهي من قبيل التّندّر والتّنكيت الأليمين- وذلك حين يعلن الكاتب عن تهنئته بفوز "الكابوية" في الانتخابات، وحين يختار "بوق إسرافيل" وسيلة توصل الخبر إلى كلّ مكان.
بأسلوب المفارقة الذي يعتمده الأديب للكشف عن التّناقض الحاصل في تصرّفات بعض النّاس، وتقديم ذلك تقديما متهكّما ساخرا مستهزئا. الذي منه تسمية الأشياء تسمية معكوسة، ونقل الأفكار نقلا مغلوطا، وسرد المشاعر سردا شاذّا. كتب أبو اليقظان مقالا كاملا يوصي فيه ابنه وصايا تخالف ما اعتاده النّاس، وما يدعو إليه العقل، وما يفرضه الدّين. نطق بذلك مجاراة للظّروف والملابسات التي يعيشها المجتمع الجزائري، وتعبيرا عن المفارقات التي لحظها
(1) - "مضحك" " أعجوبة آخر الزّمان" جريدة الأمة، ع:21 (19/ 02/1935) النّصّ لأبي اليقظان.