أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٥٠

الجادّ المنظّم، وفرصة سانحة لتقديم الرّؤى الصّحيحة لطبيعة النّشاط، الذي ينشده المتقدّم للنّهوض بأمّته، ومجال فسيح لمن يرغب في الخروج من دائرة التّيه والتردّد في القيام بواجبه، وأداء رسالته في هذا الكون، ومع من ينتظرون منه الكثير في ميدان التّوجيه والتّربية …

إنّ قراءة فكر أبي اليقظان يأتي في الوقت الذي ذلّ فيه العرب والمسلمون، وخضعوا للابتزاز، وتعرّضوا للهيمنة الأجنبية، واستسلموا لإرادة القطب الواحد. حتى عجزوا عن صدّ العدوان الذي يسلّط عليهم، وردّ الغزو الذي يطالهم في عقر دارهم، والشّيخ ممّن تصدّى لكلّ أنواع التّعدّي على الشّخصية الإسلامية، ولكلّ أشكال الاستلاب، مهما يكن لونه ومصدره. وهو القائل: لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيّ شخصية لأي ّ رجل، بل اتّخذ الحق فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى. ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصّراحة والإصداع بالحقّ، قدر الإمكان، سيّما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد وخيانة، أو مروق من الدّين أو فسوق، أو تهتّك في الأعراض. ولا اتّخذ الصّراحة والشّدة لنفسي إجابة للهوى. وأمّا ميزاني في ذلك ميزان تلك الشّخصيّة المومأ إليها من الجحود والكنود بدون مبالاة.

هذا التّوجّه، وهذه الإرادة هي التي تنقصنا اليوم، فلنلتمسها عند فكر شيخنا، إذا أردنا الخروج من دائرة الخذلان والخنوع والتّبعية والشّعور بالمهانة والذّلّ والاستكانة. يضيف الشّيخ قائلا: إنّ الدّواء النّاجع لا يكون ولن يكون بالدّهن على الوبر، وإمراره على ظاهر الجرح، فإنّ هذا لا يزيد للمرض إلاّ خطورة واستفحالا فهلاكا فموتا. وإنّما يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع المطهّرات، وإزالة ما فسد منه، ثمّ وضع الدّواء له وتضميده. والصّراحة خير علاج للأمّة.

إن الشّيخ يعرض أحد أمراض الأمّة، الذي أضرّ بها وتركها تتخبّط في المشاكل، وتتردّى إلى الحضيض، وتعيش على الأوهام التّدجيل والخداع والخبث والغفلة والغرور … وهو عدم التحلّي بالصّراحة في التّعامل ومعالجة القضايا، ومناقشة الأوضاع، وتبصير النّاس بحقيقة ما يحيط بهم ويحدق من أخطار داخلية وخارجية: فتسلّط عليهم من لا يريد لهم الخير، ومن يترّبص بهم الدّوائر. فإرشاد شيخنا يأتي في وقته، لأنّنا نعيش فعلا هذه الكوارث:

٤٧ / ١٠٠