أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٥٤من هنا يرى الشيّخ أنّ البناء والنّهوض لا يكونان إلاّ على سواعد مفتولة، وكواهل قوية، وعزائم صادقة. فمن أراد أن يعلي بنيانه على أسس صحيحة. وقواعد متينة، فعليه الاعتماد على ذوي النّفوس القويّة، ويبتعد عن ذوي النّفوس الرّخوة … إذ الأمور تنعقد بالكتل الصّلبة المتماسكة الأجزاء، لا بالذّرّات الرّخوة المتناثرة، والمشاريع الكبرى إنّما تؤسّس على الصّخور العظيمة الثّابتة، لا على الأحجار الهشّة القلقة (والحجر المتقلّب لا يثبت عليه بنيان).
إنّ أمثال هؤلاء لا يعوّل عليهم في تأسيس النّهضات، ولا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد والمثابرة والثّبات، ولا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم، أو يحزن لإدبارهم، أو أن يطرب لهتافهم، أو يتذّمر من صفيرهم، فهم في جميع الأحوال سواء، ما داموا في حال الضّعف القلبي والوهن النّفسي، لا يمكن التّعويل عليهم في شيء معها.
واضح ممّا سردناه أنّ الشّيخ ينقل تجربته في ميدان العمل والإصلاح والتّربية والتّكوين، ويضعها بين أيدينا، نفيد منها في مسيرتنا في إعداد النّشء والأجيال، الذين نعوّل عليهم في بناء مستقبلنا ومستقبل أمّتنا. فهو يبيّن العناصر التي تقوم بهذا الواجب الجليل، وتنوء بهذا العبء الثّقيل، ويحدّد لها مواصفات معيّنة، استقاها من تجربته، ونحتها من عقله، وعصرها من فكره.
ثمّ نضيف: … وإنّما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرّجال الصّابرين الثّابتين، أصحاب المبادئ القارّة والكلمة الواحدة. فإن انتشر دين فبهؤلاء، وإن انتشر مذهب فبهؤلاء، وإن اعتزّت أمّة فبهؤلاء، وإن حرّر شعب فبهؤلاء. فمن أراد تكوين أمّة أو إحياء شعب فليبدأ بإعداد العدّة، وهي هؤلاء. أمّا إذا غفل عن هذا، وأسّس عمله على كواهل أولئك الضّعفاء، فقد بناه على أساس من الرّماد، أو كتلة من الزّبد، فبمجرّد ما تهبّ عاصفة، أو ترسل الشّمس أشعّتها المحرقة تتناثر ذرّات الرّماد في الفضاء، وتذوب كتلة الزّبد في الأرض فينهار بنيانه، ويصير عاليه سافله.
فمن كان يؤلمه أن يحشر بين هؤلاء الواهنين الضّعفاء، وتؤلمه لذعة الامتهان والازدراء، فما عليه إلّا أن يتجلّد ويصبر قليلا على لذغات الأهوال والخطوب كغيره، ويتزّيا بزيّ الصّابرين الثّابتين، فلا يلبث قليلا حتّى يطرّز صدره بنيشان الجلد والثّبات، ويصبح في الصّفوف الأمامية من الرّجال الكاملين.