أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٦٥والجبهات التي يجب التّصدّي لها أضحت عديدة، والوسائل التي بها يتمّ العمل، ينبغي أن تكون ناجعة، يراعى فيها القوّة والحكمة والتّناغم، ونفاذ البصيرة، وحسن الاختيار، وفهم الخصم، وإدراك حجم المؤامرات، وتقدير طبيعة المعركة، ومعرفة حقيقة العمل المنتظر … كلّ ذلك بمكن أن نفيده من طبيعة عمل الشّيخ أبي اليقظان – رحمه الله – إذا أحسنَّا قراءة سيرته، وعرفنا كيف نفهمها، وحذقنا كيف نستلهمها.
رسالة الشّيخ أبي اليقظان في الوجود، حدّدها هو بنفسه وهو يخاطب الأستاذ الزّبير سيف الإسلام: " أخي، إنّ رسالتي إنسانيّة، لا يقظانيّة ولا مذهبيّة، أنا إذا كتبت أو وَعظت، إنّما أوجّه نصائحي ووعظي وإرشادي إلى كلّ المسلمين. فإنّه يعلم الله كم يكون فرحي شديدًا برجوع المسلمين إلى جادّة الحقّ والإسلام، فكلّ فردٍ كنت أنا السّبب في إنقاذه من النّار، كم يلحقني من فرح وسرور وبهجة، وكم يكون سروري عندما يسلم فرد من أفراد المسلمين من أن يحشروا في عرض النّار."(1)
إنّ الشّيخ أبا اليقظان يخاطب أبناء الأمّة الإسلامية في عشرينيّات القرن العشرين، ويعرض حالها في تلك الحقبة، ألا يمكن أن نعدّ هذا خطابًا لنا نحن رجال القرن الواحد والعشرين؟ ألا يكون هذا العرض هو ما نعيشه ونلقاه اليوم؟ فإنّ حالنا لا تختلف عمّا وصف، ووضعنا لا يقلّ سوءًا عن ذلك الوضع، أفلا يجدر بنا أن نأخذ توجيهه محمل الجدّ، ونداءه بعين الاعتبار، فنقوم بواجبنا كما يريد ويدعو؟! فيكون لنا في سيرته ومن حياته ملهمٌ ومرشدٌ وموعظ …
لهذا كان يرى نفسه مسؤولا عن رعيّته، وهم المسلمون كافّة، تفرض عليه المسؤوليّة أن يقوم برسالته الدّينية نحوهم، بل هي واجبة على كلّ مسلم في هذه الدّنيا. يقول الشّيخ:" أخي تصوّر أنّ لرجل غنمًا، كان حريصًا عليها، يصونها من الجوائح كالذّئب والرّيح والمطر والعطش ونحو ذلك، وفي ذات يوم هرولت من قفصها هائمة في طريق منحدر إلى هوّة سحيقة، فأخذت تنقلب أكداسًا وأشتاتًا في هوّة سحيقة، لا قعر لها (في جهنّم)، فكيف يكون صاحب الغنم؟ أفلا يجنّ جنونه؟
(1) - أبو اليقظان في الدّوريات العربية، ص: 124، 125. من مقال للزّبير سيف الإسلام، عنوانه: " آخر حديث لعميد الصّحافيين المرحوم أبي اليقظان عن التّاريخ النّضالي للصّحافة الوطنيّة" نشر في مجلّة الأصالة، (وزارة التّعليم الأصلي والشّؤون الدّينية، الجزائر)، السّنة الثاّلثة، العدد: الرّابع عشر والخامس عشر، ربيع الثّاني، جمادى الأولى، جمادى الثّانية، رجب 1393هـ/ ماي، جوان، جويلية، أوت 1993م.