أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٦٤

فأنين، فكلام، فصياحٌ … فَخصام، فجلادٌ، فسرايا

وَثَباتٌ للمعالي، وَثبات … للعوالي، وخصال ومزايا

ليس حكم النّفي والسّجن، ولا الحك … ـم له بالشّنق إلاّ مطايا

أيّ شعبٍ نال ما نال، إذا … لَمْ يقدّم سلفًا تلك الهدايا

أيّ شعبٍ نال حريّته … وهو لم يطلع لها تلك الثّنايا(1)

عاش للأمّة الإسلاميّة، يكشف أدواءها، ويصف لها الدّواء، وينبّهها إلى غفلتها، ويدعوها إلى اليقظة والنّهوض، ويَقِفها على كبواتها، ويساعدها على القيام. عاش يسوق الأمّة إلى الصّلاح والإصلاح، قال:" … ولكن لم تزل الأمّة في شغل شاغل عن هذا كلّه، الجاهل في جهله، والمنافق في نفاقه، والمفسد في فساده، والفاسق في تهتّكه، وانهماكه، بل لم نَرَ للجهل إلاّ إمعانًا وتمكّنًا، ولا للفساد إلاّ شيوعًا وذيوعًا، ولا للإلحاد والزّندقة إلاّ تسرّبًا وتغلغلاً، ولا للتّهتّك والانهماك إلاّ فشوًّا وانتشارًا. كأنّ ما يبذله المصلحون مواد مفرقعة، تزيد الحريق التهابًا، والعمران خرابًا. ولا غرو في ذلك فإزاء تلك القوّة الإصلاحيّة الضّئيلة حركة أخرى لها راسخة الأصول، متشعّبة الفروع، تغذّيها وتمدّها قوّة أخرى، وسواعد مختلفة، لا يمكن التّغلّب عليها إلاّ بتوحيد الجهود، وجمع ما تشتّت من القوى، وما تبدّد من المواهب. ولن يتسنّى هذا والمصلحون قليل، وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة والمران.

إنّ معالجة أدواء الأمّة لا تكون إلاّ باكتساح تلك الأصول المبيدة: الجهل، الفقر، الافتراق. وغرس بذور الحياة فيها: العلم، الثّراء، الاتّحاد. ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو بمجرّد القول وفوار الفم، ولكنّه يحصل بتوجيه العزائم، وتحريك الهمم وصدق الطّلب، والإخلاص والصّبر والثّبات …(2)

من أجل ذلك كانت حياته كلّها دروسًا وعبرًا، يُمتَاح منها في معركة التّحدّي والتّصدّي، يُستنجَد بها في ردّ التّعدّي، تُستَلْهَمُ في زمن الرّداءة والرّدّة والتّردّي، تُستنطق لتصحيح المسار، تُستثمر لتغيير ما يحدث في الدّار. إنّ الجهات التي تحارب الأصالة أصبحت كثيرة، من الدّاخل والخارج،

(1) - ديوا أبي اليقظان، الجزء الأوّل، ص: 125. نظم الشّيخ أبو اليقظان، القصيدة التي منها هذه الأبيات سنة 1926م، إثر نكبة دمشق، ونشرت في جريدة المنهاج للشّيخ أبي إسحاق طفيّش.

(2) - أبو اليقظان، " شعور الأمّة نائم، فماذا ينبّهه؟ "، وادي ميزاب، ع: 42 (19/ 07/ 1927م).

٦١ / ١٠٠