حكم قراءة السورة في الظهرين أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حكم قراءة السورة في قراءة السر

الجزء ١ · صفحة ١٧

فهذا الإمام مالك عرف عنه أنه كان لا يأخذ بالحديث الآحادي ولو صح سنده إن خالف عمل أهل المدينة، ولربما ترك العمل بالحديث لسبب آخر كان في رأيه التعويل عليه(1)

(1) - من ذلك أن الإمام مالكا يرى ترك العمل بحديث (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان له كصيام الدهر) حتى قال بكراهة صيام هذه الست، كما نص عليه في "الموطأ" إذ جاء فيه ((قال يحيى: وسمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إني لم أر أحدا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك خفته عند أهل العلم ورأوهم يعملون بذلك)) اهـ، فأنت ترى أنه ترك الأخذ بهذا الحديث مع أنه جاء من طرق شتى، فقد رواه من الصحابة رضي الله عنهم أبو أيوب الأنصاري وثوبان وجابر بن عبدالله وأبو هريرة وابن عباس والبراء بن عازب، وقد بلغ بعض هذه الطرق مرتبة الصحة وبعضها دون ذلك، ولا ريب أنها يقوي بعضها بعضا، ومع هذا فإنه كره العمل بهذا الحديث لرأي رآه، وأيده عليه كبار علماء مذهبه، فقد قال الباجي في شرحه الموطأ "المنتقى")):وأنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق الناس ذلك برمضان وأن لايميزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضا)) اهـ

…ونص خليل على كراهة صيامها في مختصره –وهو المعول عليه في الفقه المالكي- ونقل شارحه الحطاب عن مطرف قوله :((إنما كره مالك صيام ستة أيام من شوال لذي الجهل لئلا توصل بيوم الفطر)) اهـ

…وقال ابن العربي المالكي في "عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي" ما نصه:((وصل الصوم بأوائل شوال مكروه جدا؛ لأن الناس صاروا يقولون تشييع رمضان وكما لا يتقدم لا يشيع –إلى أن قال- وروى ابن المبارك والشافعي أنها من أول الشهر، ولست أراه، ولو علمت من يصومها من أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به؛ لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة غيروا دينهم )) اهـ

…وممن نص على كراهة صيامها من المالكية ابن شاس في "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة" والقرافي في "الذخيرة" وزكى القرطبي قول مالك هذا بقوله:(( وقد وقع ما خافه، حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان)) اهـ

…فانظر كيف بلغ بأصحاب مالك التشدد في هذا حتى جعلوا صيام هذه الست طريقا إلى البدعة وحدثا في الدين يعاقب فاعله بالتأديب والتشريد مع ثبوت الحديث الصحيح المرغب في صيامها؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بالغيرة على الدين الذي جاء به أن يكدر صفوه بشوائب البدع، على أن تزكية القرطبي لما ذهب إليه إمامه مالك في هذا ليست بشيء، فإن قيام ليل هذه الست ليس من البدعة في شيء بل هو كقيام سائر الليالي إذ لا يختص القيام بليالي رمضان وحدها، كيف وقد أثنى الله على عباده الصالحين بقوله: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) ووصف المتقين بقوله : (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) وقال تعالى:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) وكان من دأبه عليه الصلاة والسلام أن يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ولم يمنع من ذلك أصحابه، فقد قام معه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما بات عند خالته ميمونة، فتبع النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه، وهكذا كان شأنهم في اقتدائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، ولا يُسلّم لابن العربي أن بهذه الفعلة غيّر أهل الكتاب دينهم، لأن تغييرهم لدينهم ما كان باتباعهم أنبياءهم ولكن بعصيانهم لهم، وفي صيام هذه الست بعد رمضان إتيان بما رغّب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

…على أن كراهة صيام هذه الست لم تكن في مذهب مالك فحسب بل هي محكية عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، بل وعن شيخه أبي حنيفة أيضا.

… ومثل هذا إباحة مالك لإفراد يوم الجمعة بصيام النفل من غير كراهة، فقد جاء في "الموطأ"((وقال يحيى: سمعت مالكا يقول لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه)) اهـ، مع أن النهي عن صيامه وحده اشتهر من طرق كثيرة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد أخرج أحمد والشيخان (عن أحمد بن محمد بن عباد بن جيفر قال: سألت جابرا أنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم) وفي رواية للبخاري (أن يفرد بصوم) وزاد أحمد ومسلم وغيرهما (نعم ورب هذا البيت) وفي رواية النسائي (ورب الكعبة) وروى الجماعة إلا النسائي (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أوبعده يوم) ومن طريقه عند مسلم مرفوعا(لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم) وعند أحمد من طريقه (يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوم يوما قبله أوبعده) وروى أحمد والبخاري وأبو داود (عن جويرية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري) وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصوموا يوم الجمعة وحده) وأخرج أحمد والنسائي والحاكم عن جنادة الأزدي رضي الله عنه(دخلتُ على رسول صلى الله عليه وسلم، يومَ جمعة في سبعة من الأزد، أنا ثامنهم وهو يتغدَّى، فقال: هلموا إلى الغداء فقلنا: يا رسولَ اللّه إنا صيام. فقال: أصُمتم أمسِ؟ قلنا: لا. قال: فتصومُون غداً؟ قلنا: لا. قال: فأَفْطِروا. قال: فأكلنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال.: فلما خرج وجَلَس على المنبر، دعا بإناء ماء، فشرب وهو على المنبر، والناسُ ينظرون إليه، يُريهم أنه لا يَصومُ يَومَ الجمعة) ومع هذا فإن بعض أصحاب مالك احتجوا لما ذهب إليه أن يوم الجمعة لا يمنع صيامه مع غيره فلا يمنع صيامه وحده، ولا يخفى أن هذا قياس في مقابل النص ورد لما ثبت بالسنة لمجرد النظر.

…ومن أمثلة هذا أن مالكا والثوري وأبا حنيفة وأصحابهم قالوا بأنه لا ينفع المحرم أن يشترط في حجه إذا خاف أن يحصر بمرض أو عدو، وهو الذي ذهب إليه الشافعي في "الأم" مع صحة حديث بضاعة بنت الزبير بن عبد المطلب الذي أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني) وقد أخذ بذلك جماعة من الصحابة والتابعين بل الشافعي نفسه في "الأم" رواه بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها وعلل عدم أخذه بالحديث أنه لم يصح عنده؛ لأنه رواه من طريق عروة مرسلا، وذكر أنه لو ثبت لم يعده، وأنكر الشافعي في "الأم" أيضا صحة حديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه الشيخان من طريق سليمان بن يسار أنها (قالت في الثوب تصيبه الجنابة: كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج للصلاة وأثر الثوب فيه بقع الماء) فقد قال في "الأم" ((إن هذا ليس بثابت عن عائشة وهم يخافون فيه غلط عمروابن ميمون إنما هو رأي سليمان بن يسار كذا حفظه عنه الحفاظ غسله أحب ألي، وقد روي عن عائشة خلاف هذا القول ولم يسمع سليمان فيما علمناه من عائشة حرفا قط ولو رواه عنها كان مرسلا))اهـ، …على أن دعوى أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة حرفا قط منقوضة بما جاء في صحيح البخاري (قال حدثنا قتيبة قال حدثما يزيد قال حدثنا عمرو عن سليمان قال سمعت عاشة ح وحدثنا مسدد قال حدثنا عبد الواحد قال حدثنا عمرو بن ميمون عن سليمان بن يسار قال سألت عائشة عن المني يصيب الثوب..إلخ) فأنت تراه صرح في إحدى هاتين الروايتين بسماعه عن عائشة وفي الأخرى بأنه هو الذي سألها عن ذلك فمن أين جاءت دعوى من قال بأنه لم يرو حرفا عنها؟.

…وقد أجاد الحافظ بن حجر حيث قال في شرحه الحديث: ((قوله: (سمعت عائشة) وفي الإسناد الذي يليه سألت عائشة فيه رد على البزار، حيث زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة، على أن البزار مسبوق بهذه الدعوى، فقد حكاه الشافعي في "الأم" عن غيره، وزاد أن الحفاظ قالوا: إن عمرو بن ميمون غلط في رفعه، وإنما هو في فتوى سليمان. انتهى. وقد تبين من تصحيح البخاري له وموافقة مسلم له على تصحيحه صحة سماع سليمان منها، وأن رفعه صحيح، وليس بين فتواه وروايته تناف، وكذا لا تأثير للاختلاف في الروايتين، حيث وقع في إحداهما أن عمرو بن ميمون سأل سليمان، وفي الأخرى أن سليمان سأل عائشة؛لأن كلا منها سأل شيخه، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ بعض، وكلهم ثقات.)) اهـ كلام الحافظ

…ومما يبعد دعوى عدم سماع سليمان من عائشة رضي الله عنها أن سليمان كان من كبار التابعين بالمدينة المنورة حيث كانت أم المؤمنين، فيبعد أن لا يتصل بها للاستفادة من علمها، والارتشاف من معين السنة النبوية، الذي كان يتدفق من لسانها، فقد كانت عيبة سنته صلى الله عليه وسلم؛ لكثرة ما حفظت عنه وأفادت به الأمة.

١٧ / ٢٢