أبو مسلم الرواحي (حسّان عُمان) محمد بن صالح ناصر

أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)

الجزء ١ · صفحة ١٩٣

وأبو مسلم لما عرف عنه من ورع وتدين وتقوى، فإنه يربط منذ البداية بين العلم وأهدافه التي ينبغي أن يسخر لها، فجاء في مقدمتها، كما دل على ذلك المطلع: رضى الله، ولكنَّ رضى الله لا يكون بدون علم لأنَّ الله لا يعبد يجهل، كما جاء في الأثر.

وطاعة الله فرائض نقوم بها، ونواهي وزواجر ننتهي عندها، وهذه الفرائض والموانع هي حق الله علينا، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، وحق الله أمانة في أعناقنا نحن بني الإنسان، كما جاء ذلك في قوله تعالى: وإنا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنسَهُ، كَانَ ظَلُومًا جهولاً، ولا يتحمَّل الأمانة إلا من يقدرها قدرها، ولن يقدرها قدرها إلا العالم بقيمتها، عالم بشريعة الله أخذا وتركا، أمرًا ونهيا. ولكي يؤكد أبو مسلم هذه المعاني لجأ إلى تقريب المعنى بالمحسوس فقال:

ولم يجد صانع إتقان صنعته حتى يكون على علم بما صنعا». فإذا كانت العبادة هي الأعمال التي نقوم بها فهل يعقل أن تؤدى تلك الأعمال على الوجه الصحيح إن كنا نجهل قيمتها، ونجهل مواردها ومصادرها؟! وأي صانع يستطيع إتقان صنعته دون علم بأسرارها وخفاياها، فيما نسميه في تعبيرنا المعاصر: (سر المهنة).

ويقدم أبو مسلم أدلّة محسوسة أخرى، إمعانا في تقريب المعاني المجردة إلى الأفهام، فالحياة طريق لها بداية ولها نهاية، ومحال أن يستطيع امرؤ السير على هدى في هذه الطريق دون علم يوجهه ويهديه، فإذا فقد الإنسان

188