أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ٣٥مسلم يقدم النصيحة نفسها لأصدقائه وأحبائه ولعلهم عاتبوه على بعده واغترابه، فأجابهم، وفي إجابته توجيه وحكمة حيث يقول:
أحبتنا ما البعد شيئا نطيقه=ولكنه من جملة الحكم في الأزل
نريد قرارا واغتباطا وألفة=ذلك شأن لا يضاف إلى العلل
لقد دبر الرحمن أمر عباده=فدع عنك حتى أو متى أو عسى وهل
علينا الرضا فيما يجئ به القضا =وأهلا بما نحسو من الصاب والعسل
وهكذا يبدو أبو مسلم في هذا الاتجاه الذي هو جزء حي من شخصيته، وهو في سلوكه ومذهبه في الحياة شديد الخشوع لله مذعنا لعظمته وجلال سلطانه، مأخوذا بحكمته وحسن تدبيره وبديع صنعه في خلقه، صادق الرجاء في رحمته ولطفه به، يشكو إليه عجزه وضعف حيلته، وسأله أن يكون له عونا على عدوه، وأن يحبط كيده ويرد مكره إلى نحره. "إن كل دراسة لشعر أبي مسلم لا تنطلق من هذا المنطق العقدي تظلمه" وتبخسه حقه، ولن تستطيع بالتالي النفاذ إلى أسرار عالمه، ولا الغوص في محيطه النفسي العميق.
فقد ينظر الدارس السطحي إلى نزعة التصوف في شعر أبي مسلم، كما ينظر إلى هذه النزعة عند غيره من شعراء التصوف وما أكثرهم، ولا سيما في عصور الانحطاط، وهو إن فعل ذلك جانبه الصواب لا محالة، ولم يلمس حقيقة أفكار الشاعر ومواقفه ورؤاه؛ لأن منطلقات التصوف عند أبي مسلم منطلقات عقدية إيجابية لها علاقة بعقيدة الشاعر ونظرته إلى الحياة محاولة منه لفهمها لا للهروب منها. وهذا فرق أساسي ولا شك، وهذه النظرة عند أبي
-27 الديوان، ص 487.
28 ينظر على النجدي، الديوان، ص 4.