أبو مسلم الرواحي (حسان عمان)
الجزء ١ · صفحة ٧١ورب قائل يقول: كيف ينسجم هذا الخلق الحريص مع الزهد في
متاع الدنيا الذي هو الطابع الذي يفترض في شخص مثل أبي مسلم؟ يقول الإمام الغزالي في هذا الصدد:
«ولا بأس أن يحمد المتصوّف ما في المال من الحظوظ الدنيوية، کا الخلاص من ذل السؤال، وحقارة، الفقر، والوصول إلى العز بين الخلق، وإكثار الإخوان والأعوان والأصدقاء والوقار، والكرامة في القلوب» (82).
ونحن نعلم من أخبار أبي مسلم أنَّ من صفاته التي شهد بها الجميع كرمه الحاتمي حتى أنَّه لا يترك في يده درهما ولا دينارا كرما وسخاء، فما إن يصل يديه متاع من متاع الدنيا، إلا وبدَّده يمينا وشمالاً، ولذا نعته ابن عمه حين رثاه بأنه أبو اليتامى والفقراء والمساكين، فلا عجب إذن أن تضيق حاله المادية من حين إلى آخر مِمَّا يدفعه إلى طلب المدد من الله تعالى، لينقذة مِمَّا هو فيه من ضيق إلى سعة، ويحوله من عسر إلى يسر.
ربي أشكو إليك فقرا وذلاً واحتياجا لبين الفقر مثلي ربِّ أنت الغني ذو الرحمة الوا سع املأ كفي رجائي بفضل
رب لم تنفد الخزائن
والطو
ل ولا ضاقت الأيادي بنـ
ـيل
وهذه الحال المعسرة لم تغير حاله من الرضى إلى السخط، وما كانت شكواه عن احتياج وضيق بقدر ما هي طلب للرزق والعطاء مِمَّن لا تنفد
خزائنه.
82 - د/ زكي مبارك: مرجع سابق، ص 140 نقلاً عن إحياء علوم الدين، ج 3، ص 50.
- 66 -