الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ١٠٢تعاليم رجالها على تعاليم الإسلام، ويفضّلون شرائعها البشريّة الوضعيّة على أسمى شريعة، وضعتها يد الحكمة الإلهيّة، يكفي لصحّة المبدإ عندهم أنْ يكون واضعه أوروبيًّا، ولشرف الغاية أنْ يكون صاحبها أوروبيًّا، ولسداد الرّأي وصحّة الحكم وعدل القانون وصواب النّظرة وجودة الفكرة وحسن الخلق وشرف العادة وثبوت الحقيقة أنْ ينسب ذلك إلى الأوروبي، ويكفي لجودة الثّوب أو الإناء مثلا ولمتانته وجماله ووجوب اقتنائه وأفضليّته عن غيره أنْ يكون صانعه أوروبيًّا، وهكذا صارت أوروبا عند هؤلاء شارة الدّين والأدب والعقل والتّمدُّن وكلّ شيء.
وعلى العكس من ذلك بلاد الإسلام، فيكفي للحكم بفساد المبدإ، وخسّة الغاية، وخطل الرّأي، وضعف الحكم، وجور القانون إلخ، أن ينسب إلى الإسلام أو مسلم أو عربي. وقد سرت عدوى هؤلاء إلى غيرهم من ذوي الإيمان الصّحيح، فتمكّنت بعض هذه الأوهام في عقولهم من حيث لا يدرون، وأصبح ذلك قضيّة مسلّمة عند الجميع، كأنّها من الضّروريّات، فعندما يرى أحدهم نقصًا ما في شيء من مصنوعات المسلمين، أو ضعفًا ما في مشروع من مشاريعهم ينطلق لسانه فجأة وبدون شعور بقوله: (ترافاي آراب) يعني خدمة عرب، وأصل هاته الكلمة من وضع الفرنجة، يستعملونها امتهانًا للعرب وحطًّا من كرامتهم، ثمّ أخذها عنهم المتفرنجون، فسرت عدواها من هؤلاء إلى غيرهم، فحرام على كلِّ مسلم وكلِّ عربي أنْ ينطق بها مطلقًا، وإلّا كان دائسًا لشرف قومه، واضعًا من قدرهم، ممتهنًا لكرامتهم، رافعًا لقدر عدوِّه، مُنوِّهًا بشأنه، فليست الفضيلة ولا الأدب ولا العلم ولا المدنيّة ولا الإبداع ولا الاختراع ولا الإجادة والاتقان، ولا الإحكام والنّظام بوقف على أمم الغرب دون سواهم، فتلك مآثر عامّة ومكارم مطلقة، ينال منها القويُّ والضّعيف، والحاكم والمحكوم، والسّيّد والمسود، ويأخذ حظَّه منها كلّ شعب وكلُّ فرد، على قدر استعداده، لا فرق بين شرقيٍّ وغربيٍّ، ولا بين أبيض وأسود. ففي السّود أبطال عظماء وعبقريّون نبغاء، كما أنَّ في البيض سفلة أدنياء وأراذل أغبيّاء، وفي الشّرق علماء نبلاء حكمًا وفضلًا، ورجالاً بلغوا من شرف النّفس وكرم الطّبع وصفاء السّرّ وطهارة الضّمير والإنسانيّة الكاملة درجة، لا يدانيهم فيها إلّا الملائكة والمكرّمون، كما أنَّ في الغرب فسقة مجرمين، وقتلة جناة، ولصوصا فاتكين، بلغوا من دناءة النّفوس ولؤم الطّباع وخبث