الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ١٠٣الضّمائر دركة، لا يوازيهم فيها إلّا القردة والخنازير. إنْ هم إلّا كالأنعام، بل هم أضلّ سبيلًا. أفإن أدال الله للغرب من الشّرق، وبسط عليه سلطانه بما كسبت أيدي أبنائه، نسبنا إليه كلَّ فضيلة ومكرمة، وللشّرق كلّ نقيصة وعار، ألم يكن الشّرق بالأمس سيّد الغرب والمتحكّم فيه؟ ألم يبسط عليه سلطانه العادل قرونًا متطاولة؟ بل أليست قواعد المدنيّة الصّحيحة وأسسها المتبقيّة من أديان الشّرق وعلومه وفلسفة حكمائه؟ وليس للغرب إلّا شرف الاتّباع وإعلاء البناء من جهة، وعار التّشويه والهدم من جهة أخرى. ففي مدنيّة الغرب اليوم إثم كبير ومنافع للنّاس، وإثمهما أكبر من نفعهما، هذا هو الحقُّ الثّابت الذي لا ريب فيه، والحقيقة الصّحيحة التي لا مرية فيها؛ باعتراف حكماء الغرب المنصفين أنفسهم، وما فتئت صحف الغرب تنشر كلَّ يوم من القضايا الجنائية، ما تقشعرُّ لهوله الأبدان، ومن أساليب المكر والاحتيال واللّصوصيّة والانتشال ما تدهش له العقول؛ تعجُّبًا واستغرابًا، ممّا يقيم لنا آلاف الأدلّة على أنَّ بني الغرب كغيرهم لهم فضائل ورذائل، وحسنات وسيّئات، وفيهم الشّريف والوضيع، والعظيم والحقير، والعالم والجاهل، والذّكيّ والغبيّ، وغير ذلك من جميع أقسام البشر، لا كما يصوّرهم لنا الوهم، إذ بهرتنا قوّتهم وكبر في نظرنا سلطانهم، إنّهم كلّهم علماء حكماء وبررة أوفيّاء، مبرَّؤون من كلِّ عيب، يقفون عند حدود الواجب لا يتعدَّونها، ولا يقصرون دونها، وربّما قيل: إنْ وُجِدَت نقائص وعيوب في الطّبقات الدّنيا والمتوسّطة، فإنَّ الطّبقات العليا من السّادة والمفكّرين مبرَّأة السّاحة من جميع ذلك. فلنضرب لهذا القائل مثلا في أكبر هيئة من هيئات أوروبا الرّاقية علما وأدبا وثقافة: الوزارة الفرنسيّة.
لا خلاف أنَّ الذين تناط بعهدهم إدارة الوزارات، والذين تسند إليهم رئاسات الأحزاب السّياسيّة الكبرى، هم من أرقى مواطنيهم علمًا وأدبًا وثقافةً، ومن أحكم النّاس رأيًا وأسدِّهم نظرًا، ولا خلاف في أنّهم درسوا فيما درسوه من قواعد الأدب والرّئاسة، تلك القاعدة البسيطة (المصلحة فوق العاطفة)،وأنَّ الأغراض الشّخصيّة يجب أنْ تفنى أمام المصلحة الوطنيّة، ولا ريب في أنَّ (مسيو تارديو) رئيس وزراء فرنسا المستعفي من أقدر ساسة فرنسا كفاءة لتسيير دفَّة السّياسة في الأوقات الحرجة، فقد قال عنه المخبرون: إنه الوجه الذي يرجى عند اشتداد الأزمة بعد (م. بونكاري)، وقال بعض ساسة أوروبا في شأنه قبل الحرب الكبرى (توجد ستُّ دول