الشيخ بيّوض والعمل السياسي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ بيّوض والعمل السياسي

الجزء ١ · صفحة ٣٩

على الإقامة الجبريّة سنوات، أو من تسليط أذنابه وعملائه على مشاغبته، وتنغيص حياته بأنواع المنغّصات، وبلغت القمّة في محاولة اغتياله مرّات عديدة، في حوادث تاريخيّة كبرى."(1)

نسيت فرنسا ونسي معها طغاتها أنَّ هذه الإجراءات لا تجدي، وأنَّ حكم الإقامة الجبريّة لا يفيدها، بل يفيد الشّيخ بيّوض في الدّرجة الأولى، لأنَّ نشاطه لا يُحدُّ بمكان معيّن، فهو يؤثِّر ويثمر حيثما يكون.

كما أنَّ ذلك يساعده على الاستقرار وإعادة ترتيب بيته من جديد، وبكلِّ تركيز؛ للاستعداد للمرحلة اللّاحقة. ولم تَدْرِ فرنسا أنَّ صوته وأثره ينتقلان إلى الأماكن المحرَّمة عليه بواسطة أبنائه الذين يربٍّهيم ويكوّنهم ويعدُّهم الإعداد الجيّد؛ ليقوموا بأدوارهم في محاربتها ومقاومة كلّ مخطّطاتها …(2)

فعلًا وبمجرّد خروجه من الإقامة الجبريّة سنة 1944 واصل عمله السّياسي بكلّ قوّة، فرفع السّلاح ضدّ الاستعمار من جديد؛ سلاح التّحدي والمطالبة بتحقيق مطالب الجزائريّين المهضومة. فنادى بإلحاق الصّحراء بالجزائر، في نطاق مشروع الدّستور المزعوم الذي منحته السّلطات الفرنسيّة للجزائر سنة 1947، وطالب فرنسا برفع الحكم العسكري عن الجنوب الجزائري، وإلغاء التّجنيد الإجباري في الجزائر، وكفالة الحريّات

(1) - في رحاب القرآن، الإمام الشّيخ إبراهيم بيّوض، نشر جمعيّة التّراث، العطف، غرداية، الجزائر، 1989م، ص: 100. عن القيود التي كان فرضها الاستعمار الفرنسي على الشّيخ بيّوض، منذ بدأ نشاطه الإصلاحي والوطني والسّياسي يطفح على السّاحة الوطنيّة .. ينظر ما ذكره الدّكتور محمد بن عمر لعساكر، في محاضرته:" جهاد الشّيخ بيّوض بين الإنصاف والإجحاف"، كتاب الملتقى الأوّل لفكر الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض، المنعقد في القرارة يومي: 8،9 من محرّم 1421هـ/ 13، 14 من أفريل 2000م، نشر جمعيّة الحياة، القرارة، الجزائر، 2002م، ص: 60 – 62 .. ينظر أيضًا محاضرة الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، "الإمام الشّيخ بيّوض من خلال الوثائق السّريّة الفرنسيّة." المرجع السّابق، ص: 129 – 139.هذه المضايقات والتّدابير تمثّلت في الإقامة الجبريّة، وتقييد حريّة تنقّله، وفرض غرامات، والاستنطاقات، وتفتيش معهده، وكتابة التّقارير السّريّة، ومضايقته ومراقبته في دروسه وخطبه. وتسجيله في دفتر ( B) . هذا الإجراء الأخيرلا يطبّق إلاّ على المشبوهين الخطرين، وبمقتضاه لا ينتقل هذا الشّخص المسجّل في هذا الدّفتر إلاّ بموافقة الوالي العام، ويخضع في جميع تنقّلاته لسلطات البلدة التي يحلّ بها. ثمّ يحرّر تقرير مفصّل عنه وعن نشاطه في المدينة، يرسل إلى سلطات الإقليم العسكري، وإلى مديريّة شؤون الأهالي بالولاية العامّة .. وتكون هذه التّقارير في متناول السّلطات العسكريّة لاستغلالها في التّضييق على المعنيّ .. هذا ما كان يتعرّض له الشّيخ بيّوض طول نشاطه الوطني في الفترة الاستعماريّة .. وغير ذلك من الإجراءات التّعسّفيّة والظّالمة، غير المحدودة.

(2) - ينظر عبد الحميد بن باديس وبناء قاعدة الثّورة الجزائريّة، ص: 215.

٣٩ / ١٤١