الشيخ بيّوض والعمل السياسي
الجزء ١ · صفحة ٦المحتلّ يحكمها حكما مباشرا وهو ما أتاح له الهيمنة والسّيطرة الكليّة عليها. يذكر الدّكتور أبو القاسم سعد الله أنّه كان لتونس كيان سياسي محلي تحت الاستعمار الفرنسي، وكان لمصر الكيان نفسه تحت الاحتلال الإنجليزي، فإنَّ "الحال لم تكن كذلك في الجزائر، ففرنسا كانت تحكم حكما مباشرا، وهي لا تحكم باسم الدّين الإسلامي، ولذلك جرَّدت الدّين من محتوى الدّولة، وصيَّرته تعبّديا فقط"(1) وكان نتيجة ذلك أن نالت الأيّمم والسّنون من مقوّمات الشّعب، وحقّقت هذه السّياسة بعض النّجاح في تغيير وجه الجزائر الإسلامي، هذه الوضعيّة حتّمتْ على العلماء الجزائريّين أن لا يكتفوا بالجانب التّعبدي في إصلاحها، بل " كان عليهم أن يصلحوا الجانب التّعبّدي والجانب السّياسي أيضا، وهذا ما جعلهم يصطدمون بالإدارة الفرنسيّة لأوّل وهلة، كما صيّرهم في نظر البعض لا يختلفون عن حزب سياسي يتدخّل في كلّ القضايا التي تهمّ الشّعب الجزائري(2)
فكان لابدّ من التّجنيد الكامل، والتّعبئة العامّة لصدّ الهجمات، وإفشال المخطّطات، وإيقاف المؤامرات التي تستهدف الأمّة الجزائريّة المسلمة، وكان منطق هذا التّحرّك بناء قاعدة متينة يبتدئ منها عمل المستقبل، وإعادة بناء الكيان المهتري، وكان القائمون على هذا العمل وهذا البناء العلماءَ المصلحين الذين يعون المعنى الحقيقي للإصلاح، وهو العمل الشَامل لكلَ الجوانب، بما في ذلك السّياسة التي هي في الإسلام الدّين والدّولة.
نحن حين نعرض أعمال المصلحين ونشاطهم نجده فعلا شاملا لكلّ الميادين والمجالات تقريبا، كما أنَّه كان منصبًّا أساسا على أمور جوهريّة، تساعد على تغطية الميادين المطلوبة، وهي:
1 ـ الحرص على بناء الإنسان المسلّح بالإيمان الصّحيح؛ بتركيز العقيدة الإسلاميّة في النّفوس، وتقديم الإسلام الحقيقي لها، والسّعي الحقيقي للقضاء على البدع والخرافات، ومحاربة الآفات الاجتماعيّة.
2 ــ العمل على بناء الشّخصية الإسلاميّة؛ بالاهتمام بالتّعليم العربي والتّكوين الشامل، ونشر اللّغة العربيّة، والعناية بالتّاريخ الإسلامي، والحرص على الارتباط بالماضي للمحافظة على الهويّة الإسلاميّة
(1) - الدّكتور أبو القاسم سعد الله، الحركة الوطنيّة الجزائريّة (1930 - 1945)، ج3، ط3، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب (الجزائر) سنة 1986، ص: 86.
(2) - المصدر نفسه، ص: 87.