الشيخ خلف بن سنان حياته وشعره لجمال النوفلي - ب مسابقة
الجزء ١ · صفحة ٧٩إن رجلا يمتلك نواصي العلوم ، وأزمة المعرفة ، ويخوض في بحور البيان ، ويستخرج منها لآلي البلاغة والفصاحة ، إن رجلا كهذا لاشك أن خلفه ما يستند عليه في نهوضه ويسعفه في طارئه ويكفيه في حاجته ، أما أهل بيته فلم يكونوا - كما يظهر - أهل علم ومعرفة واسعتين ، وكذا أبوه فقد توفي عنه وهو لم يزل صبيا ، بيد أنه كانت تسانده مكتبة ضخمة جمع فيها أنواع المصنفات ، وكثيرا من المطولات ، وجل الكتب والرسائل ، إن هذه المكتبة العظيمة هي من أهم العوامل التي أهلته ليكون أحد مراجع الفتيا في زمانه وأحد ولاة الإمامة اليعربية ، ولذا لا يستغرب إن يقتطف شاعرنا في شعره من شتى المعارف من علوم الفلك مرة ومن التاريخ تارة ومن الفقه والعقيدة كثيرا ومن العربية أحيانا ومن الطب أخرى .
وكان شاعرنا من جانبه محبا لها وعاشقا ، ومحافظا عليها ، بل كانت مكتبته هذه أغلى ما يملك وأعز ما يحوي بيته ، فهي لديه كالهواء المتنفس الذي لا يستطيع أن يستغني عنه الإنسان بحال ، ويشاركه في هذه الحاجة إخوانه المثقفون والعلماء ، إذ لم يكن هنالك مكتبة خاصة أو عامة حوت من الكتب والمجلدات والمصنفات ما حوته مكتبة شاعرنا الشيخ خلف ، وهو يسأل الله تعالى أن يؤتيه مكتبة كبيرة جدا لا يكون مثلها لأحد من قبله ولا لمن بعده ، ولهذا نجده يقول شعرا في مكتبته منها :
لنا كتب في كل فن كأنها جنان بها كل ما نشتهي النفس
جرى حبها مني ومن كل عالم ذكي الحجى والفهم حيث جرى النفس
فلا أبتغي ما عشت خلا مؤانسا … سواها فنعم الخل لي وهي الأنس
ولست أرجي أن يفوز بمثلها … على غابر الأزمان وجن ولا أنس(1)
أما عدد الكتب التي حوتها فقد عدها فكانت سبعين وثلاثمائة وتسعة آلاف كتاب ، وقد صرح بعدها في قوله :
(1) إيقاظ الوسنان - ص 17. أي أن هذه المكتبة هي جنة يحبها وتحتوي على الكثير من الفنون ، ولا يرى غيرها خلا مؤانسا في هذا الزمان ، ثم يرجو أنلا يكون لأحد غيره مثلها .