السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله القائل: ﴿وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33)، والصلاة والسلام عَلَى خير الدعاة، مبلِّغ الرسالة، ومؤدِّي الأمانة، وناصح الأُمَّة، والمجاهد في الله، مُحَمَّد بن عبد الله، وبعد:
إِنَّ الصراع بين الحقِّ والباطل صراع دائم، منذ خلق الله بني آدم، وجعلهم خلفاء في الأَرض، وقال لهم: ﴿يَابَنِي ءَادَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 35)، وَلَكِن ما لبثت البَشَرِيَّة أن نسيت دورها في هَذِهِ الحياة، فكانت الأهواء تستولي عَلَيْهِا من حين إِلىَ حين، وتنغمس بها في حمأة الرذيلة، وشاء الله أن لا يتركها عَلَى ضلالها، بل بعث إِلَيْها في كُلِّ عصر مجدِّدين، ﴿رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (النساء: 165)، يدعون الناس إِلىَ إصلاح الفساد، وإخراجهم من عبادة العباد، إِلىَ عبادة رَبِّ العباد. وتَتَابَعَ المصلحون لِكُلِّ قوم: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ اُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لاَّ يُومِنُونَ﴾ (المؤمنون: 44)، إِلىَ أن توِّجت الرسالات بخاتم الأنبياء والمرسلين، إمام المصلحين والمجدِّدين: محَمَّد - صلى الله عليه وسلم - النبيِّ الأمين، فكان رحمة للعالمين: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
ولم يمت رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ بعد أن اكتملت الديانة، وترك خلفاء يحملون مشعل الرسالة، وعلماء يبلِّغون أمانة الدعوة، ويحيون للناس أمر دينهم. وعندما كان الرعيل الأوَّل من المسلمين واعين بدورهم ورسالتهم التي كلَّفهم الله بها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، حينها عرفوا حضارة راقية متميِّزة. وَلَكِن لَمَّا تقلَّص هَذَا الدور وانحصر في المسائل النَّظَرِيَّة، دون المساس بالحياة العَمَلِيَّة، ودون تفعيل للدين