السالمي مجدد أمة لمصطفى شريفي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٩وكانت هَذِهِ الوقائع بالنسبة للسالميِّ كالنار للذهب، تفتنه فيزداد لمعانا وبريقا، ويزداد بها السالميُّ خبرة وتجربة، ويكتسب دربة عَلَى مواجهة تحدِّيات المجتمع القاسية، وتمكِّنه من معرفة خفايا النفوس وما تضمره من أسرار، وتُطْلعه عَلَى ما يحدق بالأمَّة من أخطار، وما ينتظره من مَهَامَّ صعبة المسار.
*********************
وإذا أجرينا مقارنة بين المرحلتين الرستاقيَّة والشرقيَّة، فَإِنَّ المرحلة الرستاقيَّة ــ في نظر الباحث ــ تعدُّ أهمَّ مرحلة في بناء شَخصِيَّة السالمي العِلمِيَّة، وتكوينه القاعدي في رصيده اللغوي، والأصولي والفقهي، لأمور عِدَّة:
· العامل الزمني: فالمرحلة الرستاقية هي أطول مرحلة، إذ دامت حوالي ثمانية أعوام (1)، من حوالي سنة 1300هـ/1883م (حسب ما سبق ذكره) إِلىَ 1308هـ/1891م (بِاتِّفَاقِ المصادر).
· العامل المكاني: فالرستاق ــ التي كانت في وقت سابق عاصمة الحكم ــ هي أشهر من الشَّرْقِيَّة من حيث الحركة العِلمِيَّة، وكثرة العلماء والمكتبات.
·
(1) يذكر الشيخ المرموري أَنَّ السالمي لازم مشايخ الرستاق لِمُدَّةِ اثنين وعشرين عاما، وتابعه عَلَى هَذَا الرأي العزري وبولرواح. وَهَذَا وهمٌ منهم، لأَنَّهُم حَسِبوا مُدَّة ملازمة السالمي لمشايخه من أَوَّل يوم ولادته (باعتبارهم أَنَّهُ ولد سنة 1286هـ)، وَهُوَ ما لا يُتصوَّر، فضلا عن أَنَّ هَذِهِ الملازمة لم تكن إِلاَّ بعد هجرته إِلىَ الرستاق، بعد مرحلة من عمره قضاها في الحوقين. ثُمَّ إِنَّ كلام العبري ــ الذي اعتمدوا عَلَيْهِ ــ لا يَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ قضى اثنين وعشرين عاما كُلَّها في الرستاق، وَإِنَّمَا يقول: «وبعد اثنين وعشرين عاما هاجر من الرستاق إِلىَ الشَّرْقِيَّة»، وبعَمَلِيَّة حسابية بسيطة (1308هـ - 22 عاما = 1286هـ) يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّهُ يقصد: «وبعد بلوغه اثنين وعشرين عاما هاجر … » إلخ.
وَلَكِنَّ العزري يفهم من كلام الشيخ العبري (وسماه العزريُّ ”سالم الحارثي“، وَهُوَ خطأ، لأَنَّ الحارثي هو المحقِّق وليس واضع الترجمة) مثل ما فهم الشيخ المرموري وبولرواح، ويأخذه عَلَى أَنَّهُ مسلَّم به ولا يناقشه، بالرغم مِمَّا آل عَلَى نفسه من مناقشة الروايات التَّارِيخِيَّة وإظهار تناقضاتها، ولو كان الأمر لا يحتاج إِلىَ نقاش!.
ينظر: مقدمة العبري للعقد الثمين، 1/ 7. المرموري: السالمي المجتهد، قراءات، ص44. بولرواح: الحجج المقنعة (دراسة)، ص13. العزري: فكر السالمي، ص114.