ترجمة أحمد الشماخي للشيخ علي معمر
الجزء ١ · صفحة ٢وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار ، وإنما قدم لنا الصورة الحقيقية لجانب من الأمة المسلمة ، هذه الأمة التي تسكن ما بين " سرت " والمغرب الأقصى ، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد ، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض. وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن ينزل المطر ليقوم بعملية الحرث ، وفي الطفل اليتيم الذكي الذي يستوهب جحشا صغيرا ثم يتحايل على صاحبه فيبيعه له ، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك ، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة ، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقتها ، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة ، وفي حديث البنت الساذجة –عندما تزف- إلى أبيها عن زينتها ، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه ، وفي كفاح المرأة من أجل العلم ، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال ، وكل المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد.
لقد قرأت كثيرا من كتب التاريخ ، وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع ، فلم أجد ما يستهويني ، كما أجد ذلك في كتابه " السير " هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد عشرة قرون