ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٤٨نعم تنبهت أعصابها قليلا ، فقامت كما يقوم النائم ، و قد أغرق في الأحلام ذاهلة مذعورة تتلمس الطريق يمنة و يسرة ، و قد مضى عليها أمد مديد ، و هي كذلك لم تهتد إلى وجه الصواب ، شأن كل أمة إبان قيامها من سباتها . حاولت تأسيس الشركات فأخفقت ، و عقد الجمعيات فخابت ، و فتح المدارس فلم تفلح ، و فتح النوادي ولم تنجح ، و إنشاء الصحف و لم تصلح ، فضاعت أثناء ذلك أموال و أوقات ، و ذهبت ضحية التجربة والاختبار ، و هو دور و إن كان لا بد من اجتيازه لكل شعب يريد النهوض من كبوته ، هذه دروس قاسية و إن كانت كافية لأن يرسم منها خطة للحياتين مستقيمة و منهاجا للسعادتين قويما ، ولكن رغم كل تلك الامتحانات و الاختبارات والتجارب بتلك الدروس الهائلة ، فالأمة لا تزال في حيرتها ، و شعورها بالوجود الحقيقي لا يزال راكدا خامدا ، لم ينتبه لواجباتها كما يجب . خطب الخطباء و نصح الشعراء و كتب الكتاب ، و نادى المصلحون حي على الصلاح و الإصلاح ، و لكن لم تزل الأمة في شغل شاغل عن هذا كله ، الجاهل في جهله ، و المنافق في نفاقه ، و المفسد في فساده ، و الفاسق في تهتكه و انهماكه ، بل لم نر إلا للجهل إمعانا و تمكنا ، و لا للفساد إلا شيوعا وذيوعا ، و لا للإلحاد و الزندقة إلا تسربا و تغلغلا ، و لا للتهتك و الانهماك إلا فشوا و انتشارا ، كان ما يبذله المصلحون مواد مفرقعة تزيد الحريق التهابا ، و العمران خرابا ، و لا غرو في ذلك فإزاء تلك القوة الإصلاحية الضئيلة حركة أخرى مضادة لها ، راسخة الأصول ، متشعبة الفروع ، تغذيها قوة أخرى ، و سواعد مختلفة لا يمكن التغلب عليها إلا بتوحيد الجهود ، و جمع ما تشتت من القوى و ما بدد من المواهب ، و أنى يتسنى هذا و المصلحون قليل ، وهم أنفسهم تنقصهم الكفاءة و المران .