ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٥١على أي حال كان الحق والباطل يتصارعان ، ألبسوا صراعهما بلباس الفتنة و الفساد و التشويش ، و كالوه بكيل واحد ، وجهوا سهام اللوم و التعنيف إليهما معا ، لأنهم يرون أن الواجب هو السكون و الركون ، و متى ثارت زوبعة الخصام بينهما ، فلا خير في الجميع ، و لا يميزون بين الحق و الباطل ، فينصروا الأول و يجهزوا على الثاني ، ضرورة إنهم يرون السكون و الركود قبل كل شيء، و يرون وجوب الولاء و الصفاء بينهما ، ونحن لم ندر و لم نسمع في تاريخ العالم –قديمه و حديثه- متى اجتمع الحق و الباطل في غمد واحد ؟ و متى انعقد الصلح بينهما في الدنيا ؟ و إنما تلك أمنية منهم سداها ضعف القلب ، و لحمتها رخاوة النفس .
إن هؤلاء غالبا يكونون في مؤخرة الجيوش عند الإقدام و في مقدمتهم عند الإحجام ، و في صفوفهم تنفتح الثغرات للعدو المهاجم ، و على رؤوسهم ينهار بنيان الحصون ، و هم عيون كل قائد و أذن كل جيش ، و من المستحيل أن ينعقد بهؤلاء أمر وأن يؤسس مشروع إذ الأمور تنعقد بالكتل الصلبة المتماسكة الأجزاء لا بالذرات الرخوة المتناثرة ، و المشاريع الكبرى إنما تؤسس على الصخور العظيمة الثابتة ، لا على الأحجار الهشة القلقة " و الحجر المتقلب لا يثبت عليه البنيان "
إن أمثال هؤلاء لا يعول عليهم في تأسيس النهضات ، و لا يعتمد عليهم في شيء يستوجب الجلد و المثابرة و الثبات، و لا ينبغي للعاقل أن يفرح لإقبالهم أو يحزن لإدبارهم ، أو أن يطرب لهتافهم أو يتذمر من صفيرهم ، فهم في جميع الأحوال سواء ما داموا في حال الضعف القلبي و الوهن النفسي ، لا يمكن التعويل عليهم في شيء معها .
نعم يمكن للماهر الحاذق أن يستخدمهم و يستفيد منهم في مصالح عدة ، و لكن لا يمكن أن يبني عليهم قصور آماله ، أو يُشَيِّدَ بهم حصون قوته ، و إنما يمكنه أن يبلغ ذلك بالرجال الصابرين الثابتين أصحاب المبادئ القارة و الكلمة الواحدة .