ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٥٣و ما ظفر عامل بمرغوبه إلا بفضل الصبر و الثبات ، وما خاب و أخفق في مسعاه إلا بالملل و السأم و القلق ، و الحجر المتقلب لا يثبت عليه ا لبنيان . لما الحروب داهية المغوليين تيمورلنك ، دب في عروقه دبيب الملل ، فالتجأ إلى بيت خرب ، فرأى نملة و هي تحمل قوتها ، تتسلق جدارا فتسقط ، فتعود فتسقط و هو يتأمل ما يكابده ذلك المخلوق الضعيف ، و يجاهد في سبيل حياته إلى أن نجحت في مبتغاها بعد (34) مرة ، فأخذ منها عبرة الصبر و الثبات ، فقال ( إن النملة علمتني الثبات ) فعند ذلك كر راجعا فنظم جيوشه و أعد عدته ، فاقتحم أهوال الحروب ، فانتصر انتصارا باهرا . هذه نتيجة العزم و الحزم و الثبات ، فإذا كانت نملة ، و هي أضعف خلق الله ، تثابر على عملها بحكم غريزتها ، و تحمل عشرة أضعاف حجمها عشرات المرات ، إلى أن تنال أمنيتها ، فكيف بالإنسان العاقل القوي ، الذي كرمه الله وفضله وخلقه في أحسن تقويم ؟
إذا كانت تلك تثبت ذلك الثبات لأجل حفظ وجودها بين أخواتها في هذه الحياة ، فكيف لا يثبت الإنسان أضعاف أضعافها لأجل حفظ وجوده و كيانه في الحياتين : حياة الدنيا و حياة الآخرة ، و لنيل السعادتين فيهما معا . و لو لا الحزم و الثبات ، لما أنقذت الملكة البربرية سانت هينان قافلتها من مخالب الجوع و الهلاك لما كادت الصحراء تبتلعها فيجوفها ، و لما حفظت جبال هقارة الحضارة البربرية ، الخالدة المتغلغلة في بطون التواريخ .