ترجمة ومقالات أبي اليقظان - من الموقع الإلكتروني
الجزء ١ · صفحة ٥٤إن الناس بالنسبة إلى الثبات على صنفين : الأول ثابت كالطود ، لا تزعزعه العواصف و لا تضعفه القواصف ، اقتنع بمبدإ أو عقيدة أو انحاز إلى حزب أومذهب، فإنه يعض عليه بالنواجذ ، و يثبت عليه ثبات الرواسي ، و يتفانى فيه بكل ما أوتي من قوة مهما كلفه من الضحايا الغالية ، و يتجلى ثباته في جميع أحواله ، فتراه ثابت الجنان ، ثابت اللسان ، ثابت القدم ، ثابت العمل ، غير هلع و لا متلجلج و لا مضطرب و لا مرتبك ، و لو أحدقت به الأخطار و الأهوال .
و قد يبلغ به الثبات أحيانا إلى الغلو و التطرف ، وأحيانا إلى العشق و الوله و الغرام و الهيام ، و لا يبالي في ذلك بما يلاقيه من قوارص اللوم و العتاب ، و لا تثنيه عنه قوة المعارضة ، و لا تؤثر فيه سعاية الوشاة و فك الخراصين ، بل لا يزداد نحو ذلك إلا تعصبا و تمسكا ، و هذا دليل على كمال الصدق و الإخلاص و متانة الأخلاق ، وهو محمود جدا ما لم يخرج به إلى حد الجمود و الثقة العمياء و التعصب على الباطل .
و هذا الصنف هو نواة الإصلاح و عمدة المصلحين، و العدة التي يعول عليها المجاهدون و الكهف الذي يفزع إليه العاملون ، و لكنه قليل جدا في كل زمان و مكان و الكرام قليل .