حياة النامي ومقالاته وأشعاره لمحمود الناكوع
الجزء ١ · صفحة ٦٢و لك يطوي الزمن من صحائف هذا الخلق من إنس و جن، فكأنهم ما ساروا على هذه الأرض و لا درجوا بها… و هذه ديارهم خاوية كأن لم تكن عامرة بهم يضربون فيها و يروحون و يغدون. و قد شهدت بين مولدي و يومي هذا شؤون الدهر و تصاريفه و أعاجيبه ما تشيب لو حدثتك ببعضه يا أبا سعيد.
قلت: يرحمك الله، و إنما قد قص الله من أخبار الأمم الخالية ما ساقه عبرة لمن بعدهم. و في قصص القرآن عبر لا تنفد، و زاد لا ينقطع. و لكنني أحببت حديثك لينشطني لما في القرآن، و أنا إمرؤ شاعر اطرب للطريف من القول و ارتاح له و تنفتح له نفسي…
قال الشيخ: و أنت تريد من ذلك حديث الشعر، ويحك، أما قرأت في كتاب ربك قوله الكريم "و الشعراء يتبعهم الغاوون"… ؟
قلت. بلى، إنني لعلى ذكر من ذلك، غنما أردت حديث الشعر لأحترز من الغي، و إنما يحذر المرء عيبه الذي يخشاه من نفسه، ثم له أن يستقصي ما بعد ذلك…
فضحك الشيخ حتى أحسست لفح أنفاسه تلسع وجهي. و أبرقت عيناه برقا لامعا خفيفا، و قال: يا أبا سعيد، إن |لغي في شعر اليوم لقليل، و إن الغي في شعر الأمس أقل من ذلك، و إنما قصارى أمرهم أن ينطق أحدهم كذب القول و زوره، أو يفحش على أحد ببذاء يقذع فيه، أو يتزيد في قوله بما تزينه له شياطيننا. و مع هذا فقد كانت الحكمة ترد على ألسنهم فتخلد مع الناس. فكيف بك لو رأيت "شعراء آخر الزمان" أو سمعت بعضا من قولهم؟
قلت: و هل لك علم من آخر الزمان؟ لقد أخبر نبي الله – صلى الله عليه و سلم – بعلامات الساعة، و بعض حال الناس في آخر الزمان، و لكنني لا أعرف حديثا صحيحا و لا موضوعا عرض فيه لذكر " شعراء آخر الزمان "، فهل أنبأتني ببعض ذلك يرحمك الله؟