حياة مع القرآن لصالح حدبون
الجزء ١ · صفحة ٢لهذا الدعاء أثر عميق في النفس. إنه دعاء الافتتاح عندما يجلس شيخي على طاولة الوعظ جلسته الخاصة، بالمسجد الكبير العامر؛ يفتتح درسه بهذا الكلام العذب بصوته المميّز وبحّته الخاصة. لقد تأثرت بهذه الخواطر الأثر البليغ، وشكرت الله على آلائه ونعمه، إذ حباني بالجوار والقرب من هذا المعين الذي لا يزال يفيض علينا بخيراته. دعوت الله وتضرعت إليه، فهو الذي قدّر لي في عمري زمنا عشته في رحاب الشيخ الجليل، كنت في حصن حصين في مكتبته الخاصة وفي المسجد العامر يتلو علينا آيات الله ويعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا ويسمو بأفكارنا عندما يحلق بنا في أجواء البيان، يحاول أن يوصل المعنى إلى أفهامنا ونحن لا نزال تلاميذ ندرج في ميدان التعلم. وهو إذ يفعل ذلك لا يقتصر على تبليغنا معاني الآيات مجردة بل معها شيئا أسمى وألطف. يعجز عنه الوصف ويقصر عنه البيان. وكل ذلك ما ارتسم في الذهن وطبع فيه إحساسا يصعب على الواصف وصفه لغموضه وقتئذ، ولكنه كان عميق الأثر، وظل هو الباقي خالدا في القلب، منقوشا في الذاكرة، مركوزا في الروح والضمير إلى الآن.
ولعل ذلك الإحساس هو مصدر ما نجده من لذة في تلقي العلم، وهو سرّ تلك العلاقة الروحية التي تربط التلميذ بأستاذه، وما يضمره له من حب وتقدير وإجلال.
اعترف أنني لم أفهم حق الفهم معنى تلقي العلم ولم أدرك سعادة الجلوس أمام المعلم للتعلم إلا من ذلك الإحساس الجميل والغريب. وأصبح الآن صوت إمامي الشيخ بيوض يثير في نفسي أغلى الذكريات في أعز فترات الحياة. وتتجدد هذه الشجون كلما سمعت صوته الرخيم من آلات التسجيل.