حياة مع القرآن لصالح حدبون
الجزء ١ · صفحة ٣هذه الخواطر تتوارد على ذهني وأكاد أجزم أن أقدس علاقة في هذا الوجود هي علاقة التلميذ بمربيه وبمعلمه الأول. وقد ذقت حلاوة تلك الخواطر في روحانيتها وطهارتها وقدسيتها. إنه الصوت العذب الذي كان يملأ آذاننا، وكان الشيخ يرسله طاهرا شجيا في رحاب المسجد، يشعّ في نفسي ونفس كل زملائي التلاميذ والأساتذة الحاضرين. فهو الصوت الخالد الذي لمس شغاف النفوس وأشاع فيها الضياء. فأحببت بذلك العلم وذويه، وقدرت المعلم وأحببته.
أرجع إلى نفسي وأنا في حالة من النشوة واللذة الروحية، فأسترجع أعذب الذكريات، فأدرك تمام الإدراك كم أنا مَدينٌ لك يا شيخي الجليل بكل شيء في هذه الأيام. فأنت معلمي الأول وأنت مربّيّ الخاص الذي أخلص في أداء مهمته التعليمية والتربوية، فأصبحت بحق وارث إمام المرسلين وإمام المعلمين والمربين. فما أسعدها ذكريات عندي، وما أسعدني بها في هذه الحياة العصيبة التي أعيش فيها بعدك، ولئن هدأت دقات قلبك من حولي، وغاب نور وجهك عن ناظري، فلا أزال أشعر بسعادة غمرتني قديما ولم تفتأ تغمرني حاضرا ومستقبلا إن شاء الله.
إنها خواطر طاهرة تهيج في نفسي وتستبد بي الذكريات؛ فأشفق على نفسي وأرثي لحالها، فلا أكاد أمسك دموعي عندما أشعر أنني حرمت من الجوار الذي كنت فيه لما كنت أغدو وأروح كالنحلة اللطيفة من زهرة إلى زهرة، أرشف الرحيق العذب في رحاب داركم العامر ومكتبتكم الغنية، أقرأ عليكم وأكتب لكم وأنا السعيد المدلل بالمجلس العامر ببركاتكم وأنفاسكم ومحبيكم. وأشعر أني حُرمت الآن من تلك الأوقات السعيدة التي كنت أقضيها بجانبكم وكنت في نعيم يغبطني من أجله الكثير من الزملاء والإخوان.