سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١١٧

الإسلامية في عهده، وشرعت تزحزح شيئًا فشيئًا سمات الثّقافة العربية والإسلامية ومظاهرهما.

دليلنا عل إعجاب ابن دريد بالأعراب، والرّكون إليهم في الإفادة من حياتهم وأقوالهم وأفعالهم ما جاء في الحديث التي حدّث به تلاميذُه وروّاد مجالسه(1). قال أبو علي القالي: "وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: ذكر أعرابيّ قومًا فقال: أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهَلَكَة، وجانبوا التّسويف الذي به قطع النّاس مسافة آجالهم، فذلّت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفَعوه بالفَعال."

في الحقيقة إنّ اهتمام ابن دريد بالأعراب، والحرص على إيراد أخبارهم ونوادرهم في أحاديثه، يلفت النّظر، ويبعث على البحث عن دوافع ذلك عنده وتحليله، والتّأمّل فيه، وتقويم هذا التّوجّه و سبر غور هذا الاتّجاه … فعل هذا وهو يحدّث تلاميذه كما فعل مع تلميذه أبي عليّ القالي، وهو يملي عليه ما يسمّى بأحاديث العرب … أو كما صنع حين ألّف الأحاديث الأربعين لإسماعيل بن ميكال ليؤدّبه بها ويعلّمه أصول اللّغة العربية كما يقول الدّكتور محمد صالح ناصر.(2)

يقول أحمد درويش: " وأبرز هذه الطّوائف طائفة "الأعراب"، وهي طائفة متعدّدة الوجوه، وتعكس معالجة ابن دريد لها في أحاديثه أصداء الأفكار التي كانت شائعة في الحضر عن عالم البدو، ومدى ما يتمتّعون به من صفات عفوية متضاربة في بعض الأحيان، وبعض خصائصهم تلك، يمكن أن تكون مثارًا للتّفكّه، وبعضها الآخر يصبح مثارًا للتّعلّم والاقتداء بالصّفات التي لم يفسدها التّحضّر."(3)

قد يكون هذا الاهتمام راجعًا إلى إعجابه بالأعراب: فصاحة وبيانًا، وشمائل وأخلاقًا. التّحدّث بها يعين على بناء شخصية الإنسان الحقيقية. وقد يعود ه إلى ما لاحظه في المجتمع من تغيّر في القيم، وتخلّ عن الأصول، وامتزاج بالثّقافات غير العربية، التي أثّرت سلبًا على مقوّمات الشّخصية العربية … فأراد بهذه الطريقة أن يرجع لهذه القيم مكانها في التّربية والتّكوين، فعمد إلى حياة الأعراب يمتاحها لتمنحه الأسباب التي تعينه على بناء شخصية النّشء على السَّنن العربية الأصيلة، بخاصّة وهو العالم المعلّم الذي سخّر حياته للعمل في هذا الميدان.

قد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية، في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم الكثيرة، ونقل أخبار الأعراب، ونبذ من فصاحتهم … قد يكون لكلّ ذلك علاقة وانعكاس لما ساد عصره من مزاحمة الثّقافة العربية من الثّقافات الأخرى الوافدة، التي تركّزت في الأوساط العربية، وغيّرت من معالمها. وقد وصل الحال إلى المواجهة بين الثّقافتين، بلغ حدّ المفاضلة بينهما.(4)

هذا التّوجّه يعطي لهذا المضمون قيمة، ويمنحه الرّيادة في السّير في هذا الطّريق. طريق المحافظة على الأصالة، وبعث الثّقافة الأولى التي ينبغي أن تسود، مع التّفتّح على الثّقافة الأخرى، من دون أن تمسّ من الثّقافة الأولى.

ثانيًا: من موضوعات أحاديث ابن دريد عالم النّساء، في جوانب كثيرة منه. تناولتها بنتًا وأمًّا وزوجًا، وفتاة عاشقة ومعشوقة … نقلت عنها الشّجاعة والمروءة، والقيام بشؤونها أحسن قيام، والتّمرّد والخروج عن الأعراف وغيرها من الجوانب والمجالات.

نقدّم فيما يأتي بعض النّماذج و الأمثلة عن هذا العالم.

1 – قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: دخلتُ على امرأة بأعلى الأرض في خباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموتُ، فقامت إليه فأغمضته وعصّبته وسجّتهُ، ثمّ قالت: يابن أخي، فقلتُ: ما تشائين؟ قال: ما أحقَّ من أُلْبِسَ النّعمةَ وأُطيلتْ به النّظِرةُ أن لا يدعَ التّوثّق من نفسه قبل حلِّ عُقْدَتٍهٍ، والحُلُولٍ بٍعَقْوَتِه، والمَحالة بينه وبين نفسه. قال: وما يَقطر من عينيها قطرةٌ صبْرًا واحتسابًا، ثمّ نظرتْ إليه فقالت: والله ما كان مالُك لبطنك، ولا أمرُك لِعِرسك. ثمّ أنشأت تقول:

رحيبُ الذّراعِ بالتي لا تَشينُه … وإنْ كانَتِ الفَحشاءُ ضاقَ بِها ذرعًا"(5)

هذا الحديث يسجّل قوّة تحمّل المرأة الثّكلى وتجلّدها وصبرها على ما حلّ بها، من فقد ولدها، وانصرافها إلى تقديم كلام بليغ حكيم للوافد عليها، فيه النّصح والتّذكير الصّادران عن حنكة وتجربة …

(1) - المصدر السّابق، ص: 21.

(2) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 56

(3) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 116. إنّ الحقيقة غائبة عن حقيقة الدّوافع لإملاء هذه الأحاديث: بسبب كثرة الرّوايات وتضاربها أحيانًا.

(4) - المرجع السّابق، ص: 41.

(5) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 278.

١٠٦ / ١٥٣