سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٢١في كتابه الكريم. الثّاني: النّظر إلى الأخلاق، والمدح والثّناء لا يكون إلاّ عليها أوّلا. الثّالث: الحكم في كلّ الأمور لا يكون إلاّ عن بيّنة، وتقدير سلوك شخص لا يكون إلا عن دراية، وهو يَحصل بعد اختبار دقيق ومعرفة جيّدة … فهذه دروس تؤخذ من هذا الحديث. وهي لا شكّ من مقاصد ابن دريد في إيراده.
4 - أعرابية تكره المبالغة.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سَمعتْ أعرابيةٌ رجلاً ينشد:
وكأسٍ سُلافٍ يَحْلِفُ الدّيكُ أَنَّها … لَدَى الَمزْجِ مِنْ عَيْنَيْهِِ أَصْفَى وَأَحْسَنُ
فقالت: بلغني أنّ الدّيك من صالح الطّير، وما كان ليحلفَ كاذبًا."
المرأة الأعرابية التي نشأت على الفطرة في البادية، ونَبَتَتْ على الخلق القويم، لم تتقبّل نفسها الكذب في المشاعر، حتّى ولو كانت المبالغة في القول هنا لبيان نهاية الانتشاء، من باب أصدق الشّعر أكذبه، (طبعًا في المبالغة في التّصوير) فكان ردّها بطريقة لطيفة جَميلة، حين ذكّرت القائل أنّ الدّيك حيوان صادق، لا يمكنه أن يحلف كاذبًا، فلماذا تنسب إليه ما ليس من طبعه؟ ولماذا توظّفه لتكذب على النّاس أيّها الرّجل؟ بيّن الحديث جانبًا من شخصية المرأة، المتمثّل في حصافة العقل، وفي جميل النّقد، الذي هو من نتاج العقل.
5 - قريب من هذه الصّورة حديث حدّث به ابن دريد، وهو يريد أن يكشف عن براعة المرأة في الرّدّ، وفي الوقت نفسه يبيّن سلاطة لسانها، حين تهان أو تهمل. هذا ما فهمته من الحديث الآتي، الذي أثبته الدّكتور أحمد درويش في كتابه تحت عنوان: " متخم وزوجته جائعة". وأورده القالي تحت عنوان: " كتاب امرأة إلى زوجها وكان مع الحجّاج يحضر طعامه وهي في سوء حال"(2): قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو عثمان الأشننداني قال: كان رجلٌ من أهل الشّام مع الحجّاج يحضر طعامه، فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك، فكتبت إليه:
أَيُهْدَى لِيَ القِرْطاسُ والخُبزُ حاجتي … وأنت على باب الأمير بطينُ
إذا غِبتَ لَمْ تذكرْ صديقًا، ولَمْ تُقِمْ … فأنت على ما في يديك ضنينُ