سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

شَهْوَةً، وَوَضَعْتُه كُرْهًا. فقال له زياد: اُرْدُدْ على المرأةِ ولدَها، فهي أحقُّ به منك، ودَعْنِي من سَجْعك."(1)

الحديث طريف في أسلوبه، وفي حواره ومناظرته، فيه سجّل ابن دريد براعة كلّ خصم في إيراد الحجج والأدلّة والبراهين، التي تعينه على كسب قضيّته، وإفحام مُناظره. كما سجّل فيه العمل العظيم الذي يقوم به الوالدان، وبسببه تنالهما مشقّة كبيرة. وفي الحديث انتصر الوالي الحَكَمُ للمرأة، وفي هذا إقرار ضمي بتحمّل المرأة العنت الكبير الذي تلاقيه في سبيل تربية الأولاد، لذا كان حقّها (أمًّا ووالدة) في البّرّ والإحسان مقدّمًا على حقّ الرّجل (أبًا ووالدًا)، كما أقرّه الشّرع الحنيف. ألا تكون هذه المناظرة فرصة لتبيان هذا الجانب، وتوضيح هذا الحقّ. مهما يكن التّأويل والفهم والإدراك لما جرى، وما حُدّثَ بِه، فهو وجه من وجوه عالم المرأة، الذي أرادَ ابن دريد الكشف عنه.

10 - عاشقة ابن عمّها.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: كانت خُليبةُ الخُضْرية تَهوى ابن عمٍّ لها، فعلم بذلك قومها فحجبوها، فقالت:

هَجرتُكَ لمَّا أن هَجَرْتُكَ أَصْبَحتْ … بِنا شُمَّتًا تلك العيونُ الكواشحُ

فلاَ يفْرحِ الواشون بالهَجْرِ رُبَّما … أطال المُحِبُّ الهَجرَ والجَيْبُ ناضِحُ

وتغدو النّوَى بين المُحِبّين والهوَى … مَع القلبِ، مَطويٌّ عليهِ الجَوانِحُ

تناول الحديث نقطتين مهمّتين:

الأولى: كشف عن عالم العاشقين والمحبّين، الذين لا يؤثّر على قلوبهم ما يفعل بهم، من الإبعاد والتّفريق، وحرمانهم من التّلاقي. فإذا كان النّوى يبعد المحبّين. فإنّ القلب يبقى محتفظًا بالهوى بداخله، مطويًّا عليه الجوانح.

الثّانية: سجّل محافظة المجتمع العربي على الأصول والتّقاليد، التي لا تقبل المساس به وبحرمته، فالعلاقة التي تكون عن هوى وعشق مرفوضة من الأسرة الأصيلة.

في بيان النّقطتين أو تناولهما كشف عن جانب مهمّ في عالم النّساء، يضاف إلى ما سبق ذكره والإشارة إليه، والتّمثيل له في أحاديث ابن دريد.

ثالثًا: عالم الحكمة في أحاديث ابن دريد

إنّ شخصية ابن دريد القويّة، وخبرته بالحياة، وتقلّبه بين أحوال مختلفة فيها، ومعاشرته لأصناف متعدّدة من النّاس، ومُمارسته لمهنة التّعليم، بل وتحمّله مسؤولية إعداد النّشء وتوجيهه … كلّ ذلك أثمر عنده حكمًا بالغة الأهمية، تعالج كثيرًا من شؤون الحياة بشمولية وعمق ودراية. هذا ما نجده في شعره منتشرًا أكثر.

في أحاديثه التي نعالجها بالدّراسة، نلمس هذا الاعتناء؛ برصد مجموعة من الحكم، حدّث بها تلاميذه، وبخاصة تلميذه الوفيّ أبا عليّ القالي، الذي أملاها بدوره على مرتادي مجالسه في مسجد قرطبة. حتّى ولو لم تكن هذه الحكم من بنات عقل ابن دريد، إذ لم يكن هو إلاّ ناقلاً، لكن كما يقال: إنّ اختيار المرء جزء من عقله. إنّه انتقاها وانتقرها ليعلّم بها النّشء الطّالع، والجيل الصّاعد. وهي عند التّأمّل لا تخرج عن طبيعة شخصيته المعروفة عند من تأمّل فيها ودرسها. نستطيع أن نجد لها نظائر في شعره الذي تميّز بالحكمة. نسرد في الآتي بعض الحكم الواردة في أحاديثه تمثيلاً لا استقصاء، ثمّ نسجّل بعض الملاحظات على ما حدّث به.

1ـ من وصايا عمر بن الخطّاب.(3) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال: حدّثنا أبو حاتم عن العتبي قال: حدّثنا رجلٌ من أهل الكوفة قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى ابنه عبد الله، في غيبة غابَها: أمّا بعد، فإنّه مَنِ اتَّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه، فاجعل التّقوى جِلاءَ بصرك، وعِماد ظهرك، فإنّه لا عملَ لمن لا نيّة له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا جديد لمن لا خَلَقَ له."

إذا كان عمر بن الخطّاب قد ركّز على التّقوى، وهي الأساس في البناء والتّدبير والمسير، وضمان حسن المصير، وهي وصية الله عزّ وجلّ للأوّلين والآخرين. فإنّ عليّ بن أبي طالب في الوصيّة الموالية، بيّن حقيقة الدّنيا، التي قد تقف أمام التّقوى، إذا لم يحسن المرء التّصرّف معها، وتصريفها في الخير.

2 ـ وصف عليّ للدّنيا.(4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: سأل رجل عليّ بن أبي طال رضوان الله

(1) - اسْتَوْكَعَتْ: اشتَدَّتْ. آدِنِي: قَوِّنِي وأعِنِّي وانْصُرنِي عليه.

(2) - المصدر السّابق، ص: 83.

(3) - المصدر السّابق، ص: 55.

(4) - المصدر السّابق، ص: 120.

١١٢ / ١٥٣