سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٢٥عليه، قال: صِف لِيَ الدُّنيا، فقالَ: وما أصفُ لكَ من دارٍ، أَوّلُها عناء، وآخرها فناء، منْ صَحَّ فيها أَمِن، ومنْ سَقِمَ فيها ندِم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنَى فُتِن، حَلالُها حِساب، وحرامها عذاب."
هذه حقيقة الدّنيا، فلا يطمأنُّ إليها ولا يركن. لذا وجب على المرء أن يعرف كيف يدّبر أمره فيها؛ حتّى لا تغرّه بما تزيّنه له من أفعالها، وبما تحيطه به من هالة العظمة والجاه، فيغترّ ويتكبّر، وينسى غيره ويتجبّر. في هذا السّياق يوجّه أبو جعفر الباقر وصيّة للخليفة عمر بن عبد العزيز، بعد أن طلبها منه، وهو الحريص أن لا تفتنه الدّنيا، وتغرّه وتغرّر به، بعد أن أصبح في جاه بعد الارتقاء إلى سدّة الحكم، وتبوُّئِه منصبًا أعلى في الدّولة.
3 ـ وصية الباقر لعمر بن عبد العزيز.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى أبو بشر العُكْلِيّ، قال: حدّثني أو حُدّثتُ عن أسد بن سعيد (الشّكّ من أبي بكر) قال: حدّثني أبي عن جدّي عن عُفَيْر، قال: دخل أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: يا أبا جعفر، أَوْصِنِي، قال: أُوصيكَ أنْ تَتَّخِذَ صغير المسلمين ولدًا، وأوسطهم أخًا، وكبيرَهم أبًا. فارْحمْ ولدَك، وصِلْ أخاك، وبِرَّ أباك. وإذا صنعت معروفًا فَرَبِّه."
الملوك والأمراء والرّؤساء المتواضعون، الذين يحبّون الخير لأنفسهم، ويرغبون أن يفيدوا من العلماء دائمًا، يبحثون عن الحكمة في كلّ مكان، وعند كلّ أحد، بخاصّة من معدنها، وهو عقول الحكماء. كما صنع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فيما ذكرناه في النّصّ السّابق. وما نثبته في الحديث الآتي مع قيصر الرّوم.
4 ـ حديث قسّ بن ساعدة مع قيصر.(2) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكنُ بن سعيد عن العبّاس بن هشام عن أبيه، قال: كان قسّ بن ساعدة يفِدُ على قيصر ويزوره، فقال له قيصر يومًا: ما أفضلُ العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرّجل ماءَ وجهِه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قُضِيَ به الحقوق."
قدّم حكيم العرب قسّ بن ساعدة تعريفات دقيقة لما سئل عنه، فمن وقف عليها عرف كيف ينضبط في حياته. هذا شأن الحكماء المجرّبين، العارفين لدقائق الأشياء، الذين يزنون