سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٣٠

وذاك لأنٍّي لا أُعادي سراتَهُمْ … ولا عن أخي ضرّائِهِمْ أتنَكَّفُ

وإنِّي لأُعطِي سائلي، ولَرُبَّما … أُكَلَّف ما لا أَستطيعُ فَأَكْلَفُ

وإنِّي لَمَذمومٌ إذا قيلَ حاتمٌ … نَبَا نَبْوَةً، إنَّ الكريمَ يُعنَّفُ

ووالله إنِّي لأعفو عن سفيهِهِمْ، وأَحلُمُ عن جاهلِهم، وأسْعى في حوائجهم، وأُعطي سائلهم. فمن فعلَ فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل منّي، ومن قصَّر عن فعلي فأنا خير منه؛ فقال معاوية: لقد صدق الشّمّاخ حيث يقول فيك:

رَأيتُ عَرابةَ الأوسيَّ يسمو … إلى الخيرات منقطع القرين

إذا ما رايَةٌ رُفعتْ لِمَجْدٍ … تلقّاها عَرابَةُ باليمين "

2 ـ معاوية يسأل عن الأحنف بن قيس.(1) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية رحمه الله لِعقالٍ: بِمَ سادكم الأحنفُ وهو خارجي؟ فقال: إن شئتَ حدّثتُك عنه بِخصلة، وإنْ شئتَ باثْنتين، وإن شئتَ بثلاثٍ، وإنْ شئتَ حدّثتُك إلى اللّيلِ. قال: حدِّثْني عنه بثلاثِ خصالٍ، قال: لَمْ أَرَ أحدًا مِن خلقِ الله كان أغلبَ لنفسهِ من الأحنف، فقال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَم أَرَ أحدًا من خلقِ الله كانَ أكرمَ لِجليسٍ من الأحنفِ، قال: نِعمَ والله الخصلةُ. قال: ولَمْ أَرَ أحدًا من خلق الله أحْظَى من الأحنف، قال: كان يفعل الرّجلُ الشّيءَ فتصيرَ حظوتُه للأحنف."

3 ـ " خطبة عبد الملك بن مروان حين قتل مصعب بن الزّبير ".(2) قال أبو عليّ القالي: "وحدّثنا أبو بكر قال: أخبرنا السَّكنُ بن سعيد عن محمد بن عبّاد عن ابن الكلبي عن أبيه، قال: لَمَّا قَتَلَ عبد الملك مُصعب بن الزّبير، دخل الكوفة، فَصعد المنبر، فَحمدَ وأثنى عليه وصلَّى على النّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ قال: أيُّها النّاس، إنّ الحربَ صعبةٌ مُرّة، وإنّ السِّلمَ أمْنٌ ومسرّة، وقد زَبنَتْنا الحربُ وزبنَّاها، فَعَرَفْناها وأَلِفناها، فنحن بنوها وهي أمُّنا. أيُّها النَّاسُ، فاستقيموا على سبل الهُدَى، ودعُوا الأهواءَ المردية، وتجنَّبوا فراقَ جماعات المسلمين، ولا تكلِّفُونا أعمال المهاجرين الأوّلين، وأنتم لا تعملون أعمالهم، ولا أظُنُّكم تزدادون بعد الموعظة إلاّ شرًّا، ولن نزداد بعد الإعذار إليكم والحُجّة عليكم إلاّ عقوبةً؛ فمن شاء منكم أن يعودَ بَعدُ لِمثلِها فَلْيَعُدْ، فإنَّما مَثَلِي ومَثَلَكُمْ كما قال قيسُ بن رِفاعة:

مَنْ يَصْلَ نارِي بِلاَ ذَنْبٍ ولا تِرَةٍ … يَصْلَ بِنارِ كريمٍ غيرِ غَدّار

أنا النَّذيرُ لكم، منّي مُجاهرةً … كَيْ لا أُلامَ على نَهْيٍ وإنذار

فإَِنْ عصيتُم مقالي اليوم فاعْتَرِفُوا … أن سوف تَلْقَوْنَ خِزْيًا ظَاهِر العار

لَتَرْجِعُنّ أحاديثًا مُلعّنَةً … لَهْوَ المُقيمِ، وَلَهْوَ المُدْلِجِ السّاري

من كان في نفسهِ حَوْجاءُ يَطلبُها … عندي، فإنّي له رهْنٌ بإصحار

أُقيمُ عوجَتَهُ إن كان ذا عِوجٍ … كَما يقوِّمُ قِدْحَ النّبعةِ الباري

وصاحبُ الوِتْرِ ليسَ الدّهرَ مُدْرِكَهُ … عندي وإنّي لَدرَّاكٌ بأوتارِ "

4 ـ " سؤال الوليد بن عبد الملك أباه "(3)

قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي زيد، قال: سأل الوليد بن عبد الملك أباه عن السّياسة، فقال: هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها، واقتياد قلوب العامّة بالإنصاف لَها، واحتمال هفوات الصّنائع، فإنّ شكرها أقرب الأيادي إليها."

5 ـ " الرّعية وعمر بن عبد العزيز "(4) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ وَافِدًا وَفَدَ على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقال له: كيف تركت النّاسَ؟ قال: تركت غنيّهم موفورًا، وفقيرهم محبورًا، وظالمهم مقهورًا، ومظلومَهم منصورًا. فقال: الحمد لله، لَو لَم تَتِمَّ واحدةٌ من هذه الخصال إلاّ بعضوٍ من أعضائي لكانَ يسيرًا."

6 ـ " وصايا مهمّة "(5) قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّ محمد بن كعب القرطبي، قال لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: لا تَتّخذنَّ وزيرًا إلاّ عالِمًا، ولا أمينًا إلاّ بالجميل

(1) - المصدر السّابق، ج2، ص: 227، 228.

(2) - المصدر السّابق، ج1، ص: 11، 12.

(3) - المصدر السّابق، ج2، ص: 80.

(4) - المصدر السّابق، ص: 37.

(5) - المصدر السّابق، ص: 29.

١١٧ / ١٥٣