سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٣٣أقرّ منذ البداية بصعوبة تحديد الخصائص العامّة لأحاديث ابن دريد، التي تنسب إليه شخصيًا؛ بسبب عدم معرفة حقيقة ما هو منسوب إليه: إنشاء وصياغة، وتمييزه عمّا هو مرويّ عنه حرفيًا ممّا حدّث به تلاميذه، وليس له فيها إلاّ فضل الإملاء، وعلى من ألقى إليهم أحاديثه؛ لذا عدلت عن الحديث عن الخصائص الفنّية إلى ذكر الخصائص العامّة. ومن الإشارة إلى ابن دريد – هنا – إلى ذكر الأحاديث مباشرة. أهمّ الخصائص التي سجّلناها في هذه الدّراسة هي:
1 – ورود الأحاديث مسجوعة في أغلبها.
إنّ السّجع هو السّمة البارزة في هذه الأحاديث، بل إنّ بعضها ورد مسجوعًا في كلّ جمله. وهي خاصية يراها ابن دريد ومن عاصره ضرورية لفنّية النّصّ، ولتقدير مهارة الكاتب أو الأديب على الكتابة والتّحرير. لذا نلتقي مع بعض النّصوص التي توجّه إلى فئة خاصّة، نحسّ أنّها عالية المستوى في الأدبية، يحتاج من يقرؤُها إلى حاسة ذوقية فنّية عالية للأدب.
أ - قال أبو عليّ: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: وصف أعرابي نساء، قال: يلْتَثِمْنَ على السّبائك، ويتّشِحْنَ على النّيازِك، ويأْتَزِرْنَ على العوانِك، ويرْتَفِقْنَ على الأرائك، ويتهاديْنَ على الدّرانِك. ابتِسامُهُنّ وميض، عن وليعٍ كالإغريض، وهُنَّ إلى الصِّبا صور، وإلى الخنا نور. "(1)
إلى جانب السّجع، نلحظ الجمل المتساوية في فقراتها، والفواصل التي جاءت على صيغة واحدة (المفاعل) (السّبائك، النّيازك، العوانك، الأرائك، الدّرانك) و (فُعْل) (صور، نور) كلّ ذلك أحدث إيقاعًا رتيبًا، أوجد موسيقى جميلة، تطرب الأذن، وتحرّك النّفس، وربّما تثير المشاعر، وتحرّك العواطف …
ب - قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: مَرَّ مَنْسِرٌ من العرب على غلام يرعى غُنيمةً له، وبينه وبين أهله شِعْبٌ أو نَقْبٌ، فترك غنمه، وأسند في الجبل، فأتى قومه،
(1) - كناب الأمالي، ج1، ص: 42. السّبائك: الأسنان الشّديدة البياض. النّيازك: الرّماح القصيرة. العوانك: واحدها عانك: رمل منعقد يشقى به البعير، لا يقدر على السّير. الدّرانك: الطّنافس. الإغريض والوليع: الطّلع. صور: موائل. نور: نُفْرٌ من الرّيبة. ينظر ص: 42، 43. المصدر نفسه.