سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

فأنذرهم، فقالوا له: ما رأيت؟ قال: سبعة كالرّماح، على سبعة كالقداح، غائرة العيون، لواحِقِ البطونِ، مُلس المُتون، جريُها انبتار، وتقريبُها انكدار، وإرخاؤها استعار. وعهدي بهم قد لاذوا بالضِّلَع، وكأنّكم بغبارهم قد سطع. فلم يفرُغ من كلامه حتَّى رأوا الغَبَرَةَ فاستَعَدُّوا، وصادفوا القوم حاذرين فأدبروا عنهم."(1)

جاء السّجع هنا متنوّعًا، بتغيير حرف الفاصلة، بعد كلّ جملتين. هذا التّنويع في الأشكال والألوان أحدث موسيقى، انبعثت من نبرات مختلفة، وهو ما تطرب له النّفس … هذا لون آخر من ألوان الصّياغة المبنية على الشّكل والنّغمة المنبثقة من داخل التّراكيب.

ج - قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرني عمّي عن أبيه عن ابن الكلبي، قال: خرج رجل من العرب في الشّهر الحرام طالبًا حاجة، فدخل في الحِلِّ، فطلب رجلاً يستجير به، فَدفَعَ إلى أُغَيْلِمَةٍ يلعبون، فقال لهم: من سيّد هذا الحِواء؟ فقال غلام منهم: أَبِيَهْ، قال: ومن أبوك؟ قال: باعِثُ بنُ عُويْص العاملي، قال: صِفْ لي بيتَ أبيك من الحِواء، قال: بيت كأنّه حرّة سوداء، أو غمامة حمّاء، بفنائه ثلاثة أفراس، أمّا أحدُها: فمُفرِع الأكتاف، مُتماحِلُ الأكْناف، ماثلٌ كالطِّراف. وأمّا الآخرُ: فذيّالٌ جوّالٌ صهّال، أمينُ الأوصال، أشَمُّ القذال. وأمَّا الثّالث: فَمُغار مُدْمَج، مَحْبوكٌ مُحَمْلَج، كالقَهْقَر الأَدْعَج. فمضى الرّجل حتّى انتهى إلى الخِباء، فَعَقَدَ زمام ناقته ببعض أطنابه، وقال: يا باعث، جارٌ عَلِقَتْ علائقُه، واستحكمت وثائِقُه، فَخَرَجَ إليه باعث فأجاره."(2)

هذا مثال آخر تنوّعت وتعدّدت فيه أشكال الأسجاع، بين جمل فقراتها متساوية، وأخرى اعتمدت على تكرار الصّيغ في كلمات متساوقة، مع تنوّع في نهايات الفواصل … مجموع كلّ ذلك أوجد موسيقى، مبعثها في الدّرجة الأولى السّجع غير المتكلّف.

إنّ هذا الأسلوب يبيّن تحكّم العرب الفصحاء في اللّغة، ويظهر قدرتهم على التّعبير والتّحبير، والتّنويع في الصّياغة … فابن دريد كان يعرض ذلك على النّاشئة؛ ليطلعها على هذه الأساليب البيانية الرّاقية، لتتعلّم، وتحذو حذوها، فتتخرّج على الكتابة الرّفيعة الأصيلة.

(1) - المصدر السّابق، ص: 44. قال أبو عليّ: المَنْسٍر: جماعة الخيل. والمِنْسَر بكسر الميم: منقار الطّائر؛ لأنّه ينسر به كلّ ما مرّ به، أي ينتفه. الانبتار: الشّدّة في العَدْو. الانكدار: بعض الإسراع. ينظر المصدر نفسه.

(2) - المصدر السّابق، ص: 57. قال أبو علي: المُفرع: المشرف. القذال: معقد العذار. المُغار: الشّديد الفتل. ص: 57، 58.

١٢٠ / ١٥٣