سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

وصايا قصيّ بن كلاب لبنيه:" … وإيّاكم وشرب الخمر، فإنّها إن أصلحت بدنا أفسدت ذهنا. "(1)

قال أبو منصور الأزهري: " وألفيته أنا على كبر سنّه سكران، لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره. "(2)

ويقول السّيّد مصطفى السّنوسي: " لا نستطيع أن نصف ابن دريد بالتّقوى والورع، ولا نجد في أخباره ما يصدّق قوله: (كلّ الذّخائر غير تقوى ذي الجلال إلى نفاذ). بل لعلّ ما تواتر من أخباره يبعد به عن ذلك … وتكاد تجمع مصادر ترجمته على ولعه بالخمر، ولا يؤخذ عليه في خلقه ودينه غير هذا المطعن، وهو حسبه، فالخمر أمّ الخبائث. ونحن لا نبرّئه، ولا نتصدّى للدّفاع عنه … "(3)

إلاّ أنّ هناك من دفع عنه هذه التّهمة التي ألصقت به، وعدّها من كيد الحسّاد والمغرضين. قال السّيوطي: " لو صحّ شرب الخمر صحّت توبته منها كما في البغية."(4) الرّأي نفسه نجده عند أبي إسحاق طفيش، فهو لا يرى لهذه التّهمة أساسا من الصّحّة: "واتّهموه باللّهو والخمرة، حتّى رووا عنه في هذا أشياء، اللّه أعلم بصحّتها، لم أر لمن ذكره من أصحابنا أنّه نسب له شيئا من تلك التّهم، ولا يبعد أن تكون من قبيل الدّسّ. "(5)

المهمّ إنّ هذا جانب مهمّ في سيرة ابن دريد، يجب البحث فيه بكلّ موضوعية، والنّظر فيه بوعي وفطنة؛ للوصول إلى الحقيقة.

يضاف إلى ذلك ما اتّهم به من التّلفيق ونقل الأخبار من دون تمحيص، والسّذاجة أحيانا في تقبّل الأخبار ورواية الأحداث واختراع الأقاصيص(6). يجب دراسة هذا الجانب بدقّة؛ حتّى تتّضح شخصية ابن دريد أكثر، وبعدها تتميّز مكانته الحقيقية.

(1) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 223. نقلا عن " المزهر " للسّيوطي: 1/ 163.

(2) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7. وَرَوَوْا أنّه كان يتعاطاها وقد جاوز التّسعين من عمره. (المصدر نفسه).

(3) - تعليق من أمالي ابن دريد، ص: 17، 18.

(4) - ديوان شعر ابن دريد، تحقيق محمد بدر الدّين العلوي، ص: 21. ومحمد بدر الدّين نفسه يرى هذا الرّأي، بل هو ينفي أن يكون ابن دريد شاربا الخمر، ولا مرتكبا الأشياء المحرّمة. (المصدر نفسه).

(5) - الملاحن، (تحقيق أبي إسحاق طفيش)، ص: ل.

(6) - ينظر كتاب النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 246 وما بعدها.

١٣٤ / ١٥٣