سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٤٨الفصل الرّابع
مميّزات شخصيّة ابن دريد
أ – أخلاقه(1)
1 - كان ابن دريد جامعا لخلال الخير، يأتي في مقدّمتها الحلم. فقد كان حليما على من يسيء إليه. كما عرف عنه الكرم والسّخاء والشّجاعة والنّجدة. قال عنه المترجمون لحياته، إنّه لا يمسك درهما على كثرة ما استفاد من المال. وقد رووا له قصّته مع ابني ميكال، حين رست بهما السّفينة في بلدة صحار العمانيّة، بعد أن اشتدّت بهما الرّيح وجاءهم الموج من كلّ مكان. في هذه الحالة العصيبة استقبلهما ابن دريد فأكرم وفادتهما حتّى إنّه رهن ما عنده من بيوت، وباع ما يملك. فعل ذلك إحسانا ومعروفا قدّمه إلى هؤلاء، وهو لا يعرفهم.(2)
2 - يتّصف بلين الجانب وسهولة الطّبع وسماحة الخلق، لذا نجده يروي كثيرا من القصص والنّوادر والأمثال والحكم، التي توصي بحسن الخلق. قال عنه تلميذه أبو عبد الله المرزباني: هو "سمح الأخلاق، وكانت له نجدة في شبابه وشجاعة وسخاء وسماحة "(3)
3 - من أخلاقه الحسنة الوفاء. آية ذلك وفاؤه لآل ميكال، الذين أكرموه، فقابل هذا المعروف بأسنى منه، وهو تخليد ذكرهم بأحسن ما ألّف، وهو كتاب "جمهرة اللّغة "، وأروع ما نظم من الشّعر وهو " المقصورة ". ثمّ وفاؤه لأهل العراق، الذين عاش بين ظهرانيهم. قال فيهم وهو بفارس:
إِنَّ العِرَاقَ لَمْ أُفَارِقْ أَهْلَهُ … عَنْ شَنَآنٍ صَدَّنِي وَلَا قِلى
وَلَا اطَّبَى عَيْنَيَّ مُذْ فَارَقْتُهُمْ … شَيْء يَرُوقُ الطَّرْفَ مِنْ هَذَا الوَرَى
هُمُ الشَّنَاخِيبُ الُمنِيفاتُ الذُّرَى … وَالنَّاسُ أَدْحَالٌ سِوَاهُم وَهُوى(4)
كذلك وفاؤه لمن سبقه في الفضل والخير، مثلما فعل حين ألّف كتاب " جمهرة اللّغة "، الذي سبق بعمل جليل، وهو كتاب " العين ". قال وهو يوضّح طبيعة عمله، والهدف منه: "ولم أَجْرِ في إنشاء هذا الكتاب إلى الإزراء بعلمائنا، ولا الطّعن في أسلافنا، وأنّى يكون ذلك، وإنّما على مثالهم نحتذي، وبسبلهم نقتدي، وعلى ما أصّلوا نبتني. "(5)
هذا هو تواضع العلماء، وهذا هو خلق الكبراء، وهذا ما يجب أن نربّي عليه الأبناء، وننشئ عليه أنفسنا، إذا أردنا حسن البناء. فالإنسان مهما يؤتَ من العلم، ومهما يقدّم من عمل، عليه أن يعترف أنّه لولا من سبقه، الذي فتح له الطّريق، ووضع له الأساس، لما استطاع أن يبلغ ما بلغ. هذا جانب من جوانب الاعتبار في حياة ابن دريد.
هذه بعض الأخلاق التي سجّلها من ترجم لابن دريد، وهي أخلاق عالية، وشمائل يعتزّ بها كلّ مسلم حرّ. غير أنّ بعض الدّارسين تملّكتهم الحيرة في شخصيّة ابن دريد. إذ رأوا أنّ أقواله وأشعاره تهدف إلى الإصلاح والتّربية والتّوجيه، بينما وجدوا بعض تصرّفاته لا تتّفق مع ذلك. كعادة شربه الخمر أو النّبيذ مثلا(6).كما أنّ أماليه وأحاديثه ونوادره، التي كان ينقلها، والأخبار التي كان يحكيها، وما تشتمل عليه من مواعظ ونصائح تتناقض مع عادة شرب الخمر. يمكن لنا الإتيان بمثالين: " وحدّثنا (أي ابن دريد) قال: أنبأنا عبد الرّحمن عن عمّه قال: سمعت أعرابيّا من بني مرّة يعظ أحد أبنائه، وقد أفسد ماله في الشّراب، فقال: لا الدّهر يعظك، ولا الأيّام تنذرك، والسّاعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، أحبّ أمريك إليك أردّهما بالمضرّة عليك. "(7) (ومن
(1) - ينظر مبحث (الاتّجاه الأخلاقي) في الدّراسة الآتية:" اتّجاهات ابن دريد الأزدي في خطابه الشّعري " كتاب ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1073 – 1080.
(2) - ينظر تفاصيل هذه القصّة، محمد بن راشد الخصيبي، شقائق النّعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ج1، ص: 22 وما بعدها.
(3) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 173. ينظر معحم الشّعراء، ص: 425.
(4) - ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة) عمر، ابن سالم، ص: 124. وكتاب شرح مقصورة ابن دريد للخطيب التّبريزي، تحقيق الدّكتور فخر الدّين قباوة، ص: 59. ورد البيت الأوّل فيه كالآتي: إنّ العراق لم أفارق أهله … عن شنإ أصدّني ولا قلى.
(5) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3. تراجع مقطوعاته في العلم والعلماء، ديوانه، تحقيق ودراسة عمر، ابن سالم، ص: 33، 34. فيها هذه الرّوح من التّقدير والاحترام والوفاء.
(6) - إلاّ أنّني شخصيّا لم أعثر على نصّ له (شعرا أو نثرا) ينهى عن شرب الخمر أو ينكره، إلاّ ما أورده السّيوطي من أمالي ابن دريد.
(7) - أمالي القالي، ج1، ص: 194.