سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٥٢نستشفّ حدّة ذكاء ابن دريد وفطنته من مقولته، وهو يشرح لماذا كان يضنّ بعلمه على من ليس له أهلا. فلقد رأى بقوّة بصيرته وسداد رأيه واتّقاد ذكائه أنّ تقديم ذلك لمن لا يستحقّه مضيعة للوقت واحتقار للعلم، وتضييع له وازدراء بأهله: " عاشرت العقلاء كالمسترشد، ودامجت الجهّال كالغبيّ؛ نفاسة بالعلم أن أبثّه في غير أهله، وأضعه بحيث لا يعرف كنه قدره، حتّى تناهت بي الحال إلى صحبة أبي العبّاس … "(1)
في هذا التّصرّف ذكاء ونباهة وفطنة وكياسة. كأنّي به يتمثّل قول زهير بن أبي سلمى: …
وَمَنْ َيْجَعلِ المَعْروُفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ … يَكُنْ حَمْدُهُ ذَمًّا عَلَيْه ِوَيَنْدَم
2 – قوّة الذّاكرة:
عن ذاكرته تروى عنه نوادر كثيرة، وتحكي أعمالُه حقيقتَها، وكيف كانت سببا من أسباب ذيوع صيته، وكسبه شهرة علميّة كبيرة. قال عنه أبو إسحاق طفيش: " ولابن دريد خاصّة امتاز بها، وهي قوّة الحفظ، ما لم يدانه أحد فيها، وكان يقرأ عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وكان واسع الرّواية … "(2)
ممّا يدلّ ويؤكّد على هذه الموهبة أو هذه الصّفة، هذه النّادرة التي حكاها ابن دريد عن نفسه. قال: " … فدخل يوما عمّي وأبو عثمان يرويني قصيدة الحارث بن حلّزة، التي أوّلها:
آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ … رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثّوَاءُ
فقال لي عمّي: إذا حفظت هذه القصيدة وهبت لك كذا، ثمّ دعا المعلّم ليأكل معه، فدخل إليه فأكلا، وتحدّثا بعد الأكل ساعة، فإلى أن رجع المعلّم حفظت ديوان الحارث بن حلّزة بأسره، فخرج المعلّم فعرفته ذلك، فاستعظمه وأخذ يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمّي فأخبره فأعطاني ما كان وعدني به. "(3)
ممّا يقوم دليلا على قوّة ذاكرته أيضا أنّه أملى " الجمهرة " من ذاكرته عدّة مرّات. أملاها في فارس والبصرة وبغداد، وكان لا يستعين بالنّظر في شيء من الكتب إلاّ في باب
(1) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، ص: 3.
(2) - الملاحن (تحقيق أبي إسحاق)، ص: ط. ينظر أيضا كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.
(3) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 4، 5.