سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

الهمزة واللّفيف، فإنّه رجع إلى بعض الكتب، كما ذكر ذلك ابن ميكال. مع ملاحظة أنّه أملاها وقد نيّف على السّبعين من عمره.

روى عن عبد الرّحمن، ابن أخي الأصمعي العديد من كتب عمّه: " ويعتبر ابن أخي الأصمعي من المشايخ الذين طبعوا شاعرنا بطابع المحدّث الذّلق، ومن الذين أثّروا في ذاكرته بعديد النّوادر والشّوارد والألغاز، التي لا تروى إلاّ على أمثاله. "(1) قال أبو الطّيّب اللّغوي في كتابه " مراتب اللّغويّين ": " كان أحفظ النّاس وأوسعهم علما وأقدرهم على الشّعر، وما ازدحم العلم والشّعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد … "(2)

قال الدّكتور أحمد درويش: "ولا يخفّف من الاندهاش من قوّة الذّاكرة في هذه الحالة أن يقال – كما كان بعض معاصري ابن دريد يقولون- إنّ كتاب الجمهرة كان في جوهره إعادة لترتيب المادة اللّغوية التي تضمّنها كتاب (العين) للخليل بن أحمد. فَأَنْ يعاد حتّى ترتيب مادة ضخمة كتلك في الذّاكرة، وليس في الأوراق، وعلى أساسين متباعدين، ينتمي أوّلهما إلى ترتيب مخارج الحروف، وينتمي آخرهما إلى ترتيب الحروف الأبجدية، أي ينتمي الأوّل في الحقيقة إلى أساس سمعي للّغة، وينتمي الثّاني إلى أساس بصري لها(3) أن يحدث هذا كلّه في ذاكرة رجل في الرّابعة والتّسعين، فإنّه لأمر يدعو إلى التّأمّل في شدّة خصوبة الفترة التي وقعت بين تاريخ ميلاده وتاريخ وفاته."(4)

3 – الجرأة على الخروج عن المألوف:

عرف عن ابن دريد الجرأة والخروج عمّا ألف النّاس. ولعلّ هذا من الأسباب التي جعلت كثيرا من النّاس، حتّى الدّارسين لا يفهمون، أو لا يعون بعض تصرّفاته، فوصفوه بأنّه ملفّق للأخبار، ومخترع للأقاصيص، وأنّه مفتعل لبعض ما لم يعرف عن العرب من ألفاظ وتراكيب.

يقول الدّكتور محمد صالح ناصر: " وإلى جانب الحفظ وقوّة الاستيعاب وهبه الله حسًّا دقيقًا، وذهنًا يقظًا، وذكاء وقّادُا، اهتدى بها إلى أن يسبق إلى اختراع مناهج في تحقيق اللّغة، ويجمع في صدره رصيدًا ضخمًا من لغة الأقدمين والمعاصرين له. بل إنّه تفتّح أيضًا على الثّقافات في عصره، فعرف منها طرفًا صالحًا، أو كان ملمًّا بها،

(1) - ديوان ابن دريد (تحقيق ودراسة) عمر، ابن سالم، ص: 10، 11.

(2) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1 (المقدّمة)، ص: 7.

(3) - للمقارنة بين طريقتي (العين) و (الجمهرة) ينظر د. أحمد عمر مختار، البحث اللّغوي عند العرب، ط6، عالم الكتب، القاهرة، 1988م، ص: 204 وما بعدها.

(4) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 14، 15.

١٣٧ / ١٥٣