سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ١٦٥مسيرته، في بعض مجالاته. وهو ما يفرض علينا الاعتناء به وبسيرته وتراثه؛ حتّى نؤدّي ما علينا من واجب نحو ثقافتنا ولغتنا.
- كلّ ما كتبه ابن دريد أو أملاه، أو حدّث به، كان الغرض منه التّعليم والتّلقين. وكلّ أسلوب ابتكره في نقل الأخبار أو سرد الحكايات، أو اختراع الأقاصيص كان الهدف منه التّعليم أيضا. فقد ندر نفسه لهذه المهمّة، في وقت وجد فيه النّاس في حاجة ماسّة إلى من يعلّمهم أصول لغتهم ويطلعهم على حقيقة أدبهم. وأحسّ هو بدوره بتعلّق النّاس به وبعلمه، وآنس من نفسه الكفاية العلميّة والمقدرة على سدّ هذا الفراغ. فوجّه نفسه هذه الوجهة، وسخّر طاقته في سبيلها.
إنّ المتغيّرات التي أثّرت على الحياة بعامّة دفعت بابن دريد إلى ولوج ميدان التّربية، وتبنّي منهج التّعليم في أحاديثه – بخاصّة - فكان كلّ ما نقله من أحاديث، وما ابتكره من أسلوب في نقل تلك الأخبار، وسرد الحكايات، وما أعمل فيه خياله بالوضع والابتكار كان الهدف منه التّعليم والتّربية. هذا ما أعطى لأحاديثه قيمة معنوية وتربوية كبيرة.
- النّزعة العربيّة ظاهرة في نتاجه الأدبي منه بخاصّة. ولقد كانت هذه النّزعة نعمة كبيرة على اللّغة العربيّة. فبفضلها وبفضل الرّوح التي كان يحملها ابن دريد نحو العربيّة وآدابها ورجالها، تمكّن أن يحميها من التّيارات الدّخيلة، وأن يبرزها في مستوى القوّة والعظمة التي هي من طبيعتها.
- كان تأثير ابن دريد فيمن جاؤوا بعده من اللّغويّين والأدباء والشّعراء واضحا في التّلمذة عليه مباشرة أو بواسطة آثاره العلميّة، وكذا في نقل آرائه ومعارضة كتاباته واستلهامها.
- اهتمام الكتّاب والمؤرّخين والدّارسين والمتعلّمين – على السّواء – بمعرفة التّفاصيل والدّقائق في سيرة ابن دريد يدلّ على مكانة الرّجل وعظمته، وعلى قدره العالي. ويدلّ على ثراء حياته وغناها بالعظات والعبر والدّروس التي تعين على التّكوّن والتّثقّف، لذا يمكن استمداد طرق التّحصيل وأسباب التّعلّم من سيرته.
- مكامن العبر في سيرته كثيرة، يمكن للدّارس الإفادة منها: أخلاقه، حبّه للعلم، طريقة تحصيله له، رحلاته، مكابدته في طلب المعاش، غيرته على العربيّة ودفاعه عنها، صبره على الشّدائد وتحمّله لها …
- شخصيّة ابن دريد غير واضحة عند بعض الدّارسين، وأخباره غير كاملة، وكثير من آثاره مفقود؛ نتيجة لذلك اختلف النّاس في حقيقته وفي تقدير شخصيّته. فكانوا بين متّهم إيّاه بضعف في الدّين، وملفّق للأخبار ومخترع للقصص، وإدخال ما ليس في