سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٤هذا التّميّز وهذه المكانة هما اللّذان جعلا الذين حضروا جنازته يقولون ويردّدون: مات علم اللّغة بموت ابن دريد(1)
هذه الشّهادات تبيّن أنّ لابن دريد مكانة متميّزة في مسار الفكر الإسلامي بخاصّة، وأنّ له حضورًا خاصًّا في المشهد الحضاري، يعرفه القليل، ولا يدري به الكثير. ومن يعرفه قد لا يفقه ولا يستوعب كثيرًا منه. فمن خلال التّعليقات التي أثبتناها آنفًا يتأكّد لدينا أنّ شخصيّة ابن دريد غير واضحة المعالم في أذهان بعض الذين تناولوه بالدّراسة، وبعضهم قلّل من شأنه، واستنقص من شأنه … ممّا يدعو إلى مزيد من البحث في فكره، وتقديم الوجه الحضاري في أعماله.
نحن نقدّر ما قام المخلصون من أبناء اللّغة العربية للتّعريف بهذه الجهود، وتقديم شخصيّة ابن دريد إلى طلاّب المعرفة؛ إنصافًا لها، وتسجيلاً لفضلها في تطوير المنظومة اللّغويّة بخاصّة، وإعطاء نماذج من العمل الجادّ للأجيال كي تتعلّم منها دروسًا علميّة في مجال التّخصّص، وعبرًا ومواعظ وقواعد في الدَّرَجِ في مسالك الحياة بتوجيه صحيح للاستفادة والإفادة …
مع ذلك تبقى جوانب كثيرة في حاجة إلى مزيد من البحث، وبخاصّة تلك النّقط التي تكشف عن تميّز ابن دريد ودوره الأساس في البحث والدّرس اللّغويين بخاصّة. هذا ما نحاول عرضه وتحليله في هذه الدّراسة المتواضعة.
نشير إلى أهميّة تراث الرّجل في مسيرة الفكر الإسلامي: تأليفا وتأصيلا لبعض النّظريّات اللّغويّة، ودفعا للحركة الأدبيّة إلى الأمام، ونبيّن دوره في إعداد رجال اللّغة والأدب، ونبرز ما اكتنف حياته من مميّزات التّفوّق والنّبوغ، وما اتّصفت به من صفات يستفاد منها في التّكوين والإعداد.
نعمد في هذا العمل إلى عرض معلومات لنؤكد على مكانة ابن دريد. فليس هدفنا الاستقصاء، لذا فإنّنا نعتمد كثيرًا على الإحالات، فالكتب والمصنّفات مليئة بالمادة العلميّة عن ابن دريد، لكن تبقى بعض الجوانب في حاجة إلى إضاءات أكثر، وبعضها يحتاج إل جلاء الغموض عنها، وأخرى تطلب التّحليل والمناقشة والنّقد أكثر، وغيرها ينتظر الإنصاف والاعتدال والتّروّي في الكشف عنها، ومنها ما يطلب التّصحيح والتعمّق لإبرازها حقائقَ ثابتةً صحيحة .. باختصار إنّ قصد نا هو إظهار الجانب
(1) - ينظر الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد … ص: 170. ابن النّديم، الفهرست، ص: 276، ومعجم الأدباء، 18/ 127، وابن الأنباري، نزهة الألبّاء، ص: 256 ....