سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٣اللّغويّة، أتى بأشياء لم توجد في كتب من تقدّمه. فأسهم بكلّ هذا مع غيره من العلماء العاملين الجهابذة في بناء صرح اللّغة العربية والأدب والشّعر وما يتّصل بها …
له مكانة عالية ومنزلة رفيعة في نفوس الكبراء، الذين يعرفون للعلم قدره، وللفضل مكانته. هذه المكانة المرموقة فتحت له أبوابًا كبيرة من المدح له والقدح فيه؛ في شخصيّته وعلمه، وأصالته الفكريّة وأمانته العلميّة، وأخلاقه وسلوكه … لا نتعجّب من هذه المواقف المتباينة، بل إنّ هذا الاختلاف في تقدير هذه الشّخصية هو الذي يثبت أصالة الرّجل، ويثبّت له العبقرية والتّفوّق والتّميّز وكبر النّفس، فالكبير في نفسه وعلمه وخلقه .. يعسر على كثير من النّاس فهمه وتقدير مواقفه، ووعي حقيقة عمله، وإدراك معالم شخصيّته، واكتشاف حدود نشاطه. يقول المحقّق محمد عبد السّلام هارون: " وكان من الطّبيعي أن تتّجه أنظار العلماء إلى هذه العبقرية لتزنها وتقدرها قدرها، فاختلفت الأنظار في ابن دريد، ما بين الإشادة بفضله والزّراية به والطّعن عليه."(1)
يعلّق الدّكتور محمد صالح ناصر على القدح الذي لحق ابنَ دريد: " لا أحسب أنّ هذا الاستنقاص قد أثّر على الذين جاؤوا بعده من اللّغويّين والأدباء؛ لأنّ شهرة ابن دريد في اختصاصه أصبحت مضرب المثل، وبات علمًا يشار إليه بالبنان في المشرق والمغرب معًا. فكان الأدباء إذا أرادوا التّنويه بعالم في الميدان اللّغوي قارنوا شهرته بشهرة ابن دريد، كما قيل ذلك عن إمام اللّغة أبي بكر الزّبيدي الإشبيلي: " إنّه بالمغرب بمنزلة ابن دريد بالمشرق "(2)
المنزلة العلمية الرّفيعة التي احتلّها ابن دريد في مجال العلم بمختلف فروعه، دفعت بالدّكتور أحمد درويش أن يقول عن مصنّفاته: " وكثير من مؤلّفات ابن دريد تبدو فيها اللّمحة التّميّزية التي تشقّ طريقًا جديدًا من طرق البحث، كان من الصّعب على الأدعياء، وعلى أنصاف العلماء وعامّتهم أن يهتدوا إليه، رغم ظنّهم بأنّهم يلمّون بالقدر الكافي من اللّغة وعلومها …(3)
(1) - الدّكتور محمد صالح ناصر، محمد بن الحسن بن دريد، حياة من أجل الأدب، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، 1412هـ/ 1991م، ص: 169. نقلاً عن كتاب الاشتقاق لابن دريد، تحقيق محمد عبد السّلام هارون، طبع مصر، 1958م، ص: 11.
(2) - المرجع السّابق، ص: 185. نقلاً عن نفح الطّيب، 3/ 476.
(3) - الدّكتور أحمد درويش، ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، الهيئة العامّة للرّياضة والأنشطة الشّبابيّة، سلطنة عمان، (د. ت)، ص: 60. ينظر مبحث " المؤلّفات والبحث عن صوت متميّز " المرجع نفسه، ص: 56 – 70. فيه أظهر المؤلّف بَيَّنَ ووضَّح تفوّق ابن دريد وريادته وأستاذيته، فاستحقّ من الدّكتور لقب أستاذ الجيل.