سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ٥٩

عليها، وراجع إليها، حتّى إذا وقع الشيء النّادر نَصَصْناه إلى قائله إن شاء الله. "(1)

أشار الدّكتور ناصر الدّين الأسد إلى كتابَيْ (مقاييس اللّغة) و (مجمل اللّغة) لابن فارس، وعدد المّرات التي ورد فيهما اسم ابن دريد، ممّا يؤكّد اعتماد صاحب المعجمين على ابن دريد. في الأجزاء الثّلاثة من (مقاييس اللّغة) تكرّر اسم ابن دريد مائة وثمانية وأربعين مرّة. أمّا في (المجمل) المتكوّن من أربعة أجزاء، فورد اسم ابن دريد ستّة وسبعين مرّة في جزأين، والعدد يزداد حين نتصفّح بقيّة الأجزاء …(2)

إنّ النّصّ الآتي يبيّن قيمة (الجمهرة): " كان ابن دريد واحد ًامن أهمّ روافد الدّرس اللّغوي، وبخاصّة في باب صناعة المعجم، يشهد له بذلك – على سبيل المثال – أنّه كان مصدرًا للأزهري في (تهذيب اللّغة) في أكثر من ثلاثمائة موضع. وأخذ عنه ابن فارس (ت 395هـ) مائتين وخمسين موضعًا تقريبًا، نصّ عليها(3). وأخذ عنه ابن منظور في (لسان) العرب) ما يقرب من ستّمائة موضع. نصّ عليها نصًّا صريحًا(4) …(5)

هذا يعني أنّ فضل ابن دريد على المعاجم العربية التي ألّفت بعد ظهور معجم الجمهرة كبير، وحضوره المكثّف فيها واضح، فما هو هذا الأثر؟

3 - أثر كتاب الجمهرة في المؤلّفا ت اللّغوية

لقيمة هذه الموسوعة العلميّة وجدنا المؤلّفات اللّغويّة والمعاجم الكبرى التي هي مرجع النّاس في أخذ اللّغة، تعتمد عليها من جملة ما تعتمد من الكتب. وكذا فعل أبو منصور الثّعالبي (ت 429 هـ) في كتابه " فقه اللّغة ". قال زكيّ مبارك: " وليس كتاب فقه اللّغة في جملته من صنع الثّعالبي، فقد نقل فصولاً برمّتها عن أمثال ابن دريد والخوارزمي وأبي الحسن الجرجاني وابن الأعرابي، ولكن له فضل التّرتيب والتّبويب "(6) وكتاب الجمهرة من الأصول التي اعتمد عليها مؤلّفو المعاجم بعده.

قال الدّكتور عيد خريشة: " ولا شكّ أنّ لكتاب (الجمهرة) دورًا هامًّا عند المعجميّين بعد وفاته، فلقد تأثّر به عدد من المعجبين. ومن هؤلاء أحمد بن فارس المتوفّى سنة 395هـ، والذي ألّف معجمين، هما: كتاب (مقاييس اللّغة)، وكتاب (المجمل)،وقد اتّخذ ابن فارس منهجًا في كتاب المقاييس، يقترب من أسس ابن دريد في تقسيم كتابه وترتيبه، وقد اختلف معه في بعض الأمور، فقد سار على التّرتيب الهجائي، ولكنّه خالفه في اتّخاذ هذا التّرتيب الأساسي الأوّل للتّقسيم، وقد ذكر في مقدّمة كتابه أنّه اعتمد على أشرف الكتب وأعلاها، منها كتاب (العين) وكتاب (الجمهرة). ومنهم أيضًا الزّمخشري المتوفّى سنة 538هـ، في كتابه (أساس البلاغة) "(7)

للزّيادات الكثيرة في كتاب الجمهرة على ما أورده الخليل بن أحمد في كتاب العين، اعتمد عليه ابن التّياني القرطبي (ت 436 هـ) في معجمه " الموعب " الذي ظهر في صدر القرن الخامس الهجري، وكان هذا المعجم من أضبط المعاجم وأصدقها رواية. "(8)

"ومن هؤلاء جمال الدّين بن منظور (ت 711 هـ/ 1311م) مؤلّف " لسان العرب " الذي يشتمل على الألفاظ اللّغويّة والأعلام والجغرافية والحقائق التّاريخيّة … أيضًا بنى معجمه هذا على خمسة كتب، منها الجمهرة. "(9)

زيادة على من ذكرناهم من العلماء الذين ألّفوا معاجم، واعتمدوا من بين مصادرهم ابن دريد، نجد صاحب (القاموس المحيط)، و (تاج العروس) … يقول الدّكتور محمد بن صالح مشري: " … فصاحب (اللّسان) و (القاموس) و (التّاج) كلّهم نقلوا عنه وأكثروا، بل كادت أن

(1) - الدّكتور عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء الثّاني، (الأعصر العبّاسيّة) ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1401 هـ / 1981 م، ص: 594. كذلك اعتمد ابن فارس في معجمه " المجمل " على الجمهرة.

(2) - ينظر المرجع السّابق، ص: 22 – 24.

(3) - ينظر كتاب أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1819.ينظر ابن فارس، مجمل اللّغة، تحقيق ودراسة زهير عبد المحسن، ج4، ط1، مؤسّسة الرّسالة، 1404هـ، 1984م، ص: 1099، 2000.

(4) - أحمد أبو الهيجاء وخليل بن أحمد عمايرة، " فهارس لسان العرب "، المجلّد الثّالث، ط1مؤسّسة الرّسالة، بيروت، 1407هـ/ 1987م، ص: 232 – 235.

(5) - المرجع السّابق، المجلّد الثّالث، ص: 1819.

(6) - الدّكتور زكيّ مبارك، النّثر الفنّي في القرن الرّابع، الجزء الثّاني، ط2، مطبعة السّعادة، مصر، سنة 1376 هـ / 1957 م، ص: 190.

(7) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 215.

(8) - مجلّة العربي، عدد: تشرين الأوّل، سنة 1982 م، ص: 132.

(9) - الدّكتور عمر فرّوخ، تاريخ الأدب العربي، الجزء السّادس، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1983 م، ص: 371.

٥٥ / ١٥٣