سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٦٢يقول الدّكتور أحمد درويش: " الجمهرة إذن نموذج لتميّز الصّوت في مجال الدّراسات المعجمية، ولاهتداء ابن دريد – رغم أنّه لم يكن صاحب الفكرة الأولى في عمل المعاجم – إلى فكرة تضمن لهذه المعاجم شيوعها، وكثرة الفائدة منها، وتخطّ لها طريقًا جديدًا، ومنهجًا مبتكرًا "(1)
من مظاهر الاحتفاء بـ (الجمهرة) اقتناء كثير من العلماء والنّاس لها، وكثرة تداولها ونقلها وتنقّلها بالبيع والشّراء بشكل لافت للنّظر: عددَ المرّات وارتفاعَ الثّمن(2). أوردت بعض المصادر القديمة قصصًا طريفة عن انتقال هذا الكتاب العظيم بين النّاس؛ ما يدلّ على قيمته ومكانته في قلوب العارفين للعلم أهمّيته وفضله: " وحكى الخطيب أبو زكريّاء يحي بن علي التّبريزي اللّغوي أنّ أبا الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلَّك الفالي الأديب (ت 448هـ) كانت له نسخة لكتاب (الجمهرة) لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها، واشتراها الشّريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستّين دينارًا، وتصفّحها فوجد يها أبياتًا بخطّ بائعها أبي الحسن الفالي:
أَنِسْتُ بها عشرينَ حَوْلاً وَبِعْتُها … لَقَدْ طَالَ وجْدِي بَعْدَهَا وَحَنِيِنِي
وَمَا كَانَ ظَنِّي أنَّنِي سَأَبيعُها … وَلَوْ خَلَّدَتْنِي في السُّجونِ دُيونِي
وَلَكِنْ لِضُعْفٍ وَافْتِقارٍ وصِبْيَةٍ … صِغَارٍ، عَلَيْهِمْ تَسْتهِلُّ شُؤُونِي
فَقُلْتُ – وَلَمْ أَمْلِكْ سَوَابِقَ عَبْرَةٍ - … مَقَالَةَ مَكْوِيِّ الفُؤَادِ حَزين
(وَقَدْ تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مالِكٍ … كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بِهِنَّ ضَنينِ(3)
إذن إنّ (جمهرة اللّغة) كتاب متميّز بما قدّمه من جديد في مجال الدّرس اللّغوي؛ رغم ما قيل فيه، وما قدّم عليه من طعن، كما أنّ تقويم بعض الدّارسين له كان محدودًا؛ إذ أبقوه في دائرة التّربية والتّعليم فقط. في هذا التّقدير تضييق وتحجيم لأهميّة هذه الموسوعة المتميّزة في مسيرة الفكر والحضارة العربية الإسلامية. يقول علي بن محسن آل حفيظ: " … فإنّ صناعة هذا الكتاب تعتبر بحقّ من التّجديدات الفكرية والعلمية ذات
(1) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 62.
(2) - ينظر كتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 13 – 15.
(3) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 13، 14. ينظر ابن خلّكان، وفيات الأعيان، 3/ 316. جاء في المزهر للسّيوطي، 1/ 95. عن نسخة (الجمهرة) التي كانت في حوزة الفالي:" نسخة من الجمهرة بخطّ مؤلّفها، وكان قد أعطي بها ثلاثمائة مثقال فأبى، فاشتدَّت به الحاجة، فباعها بأربعين مثقالاً، وكتب عليها هذه الأبيات ".