سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٦٥يدلّ هذا التّنويه وتعدّد المصادر التي أوردته، تسجيلاً له من بين المصادر المهمّة في المجال اللّغوي، وإفادةً منه في المادة اللّغوية. يدلّ على قيمته ومكانته في الحقل الّلغوي …
الكتاب جاء ليردّ أساسًا " على من يتساءلون عن سبب تسمية العرب أبناءَهُم بأسماء قد تثير الفزع، أو تتّصف بالقسوة. فانتصف ابن دريد لعروبته من خلال الوقوف على الأصول المتعدّدة في توجيه الاسم، واختلاف المعنى لاختلاف الأصل، مع مراعاة الجانب اللّغوي "(1)
إذا كان دافع ابن دريد الأوّل في تأليف كتاب (الاشتقاق) هو الردّ على انتقاص الشّعوبية من العربية، وما يتّصل بها من أسماء غريبة، ونابية عن الذّوق، وقبيحة لا تستسيغها الأسماع، ومستعصٍ فهمُها حتّى على علماء اللّغة العربية أنفسهم – كما يقول الشّعوبيّون – ويطعنون حيث لا يجب الطّعن، ويعيبون حيث لا يستنبط العيب … فإنّ " العطاء جاء أغزر بكثير من مجرّد الاستجابة لهذا الدّافع، وردّ تلك التّهم. فقد أقام ابن دريد من التّسمية علمًا له بواعثه ودوافعه ومسبّباته، وجعل منها نافذة تطلّ على تراث واسع متشابك، وترصد ماضي وحاضر شبكة العلاقات في كتلة بشرية كبيرة، تمثّل الكتلة العربية، كانت قد بدأت في الانتشار والذّوبان في كتلة أخرى أكثر اتّساعًا، هي الكتلة الإسلامية "(2)
تناول ابن دريد للموضوع بهذا الشّكل من التّوسّع في البيان والاستطراد، يدلّ على سعة علمه باللّغة العربية، ثمّ على رغبته في تعليمها بأصولها وقواعدها الصّحيحة، ثمّ الانتصار لمنهج العرب في التّعامل مع اللّغة، ثمّ الدّفاع عن العربية وردّ كلّ ما يسيء إليها من قريب أو بعيد، وبخاصّة في عصره الذي انتشرت فيه الشّعوبية(3)، التي حملت لواء الاستهانة بالعرب في مختلف مظاهر حياتهم، والطّعن في الشّخصية العربية … في هذا السّياق، ومن هذا المنظور تأتي قيمة كتاب الاشتقاق؛ أثرًا لأصول اللّغة العربية، ومصدرًا لمضمونها …
" لقد كانت اللّغة العربية إحدى [أحد] الموضوعات التي وجّهت إليها الشّعوبية سهام الطّعن والتّجريح، وذلك لفخر العرب بلغتهم لفصاحتها، ولكونها لغة القرآن
(1) - الدّكتور محمد علي مقابلة، " التّطوّر المجازي وأثره في توجيه الدّلالة لدى ابن دريد في كتابه الاشتقاق"، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 573.
(2) - ابن دريد الأزدي وتأثيره في الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 67.
(3) - يراجع كتاب الشّعوبية وأثرها الاجتماعي والسّياسي للدّكتورة زاهية قدورة. وكتاب ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 131 – 135.