سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي محمد بن قاسم ناصر بوحجام

سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

هذه المادة تسهم في التّعليم والتّكوين، والتّعريف بالبيئة العربيّة، وما تشتمل عليه من المرئيات والأشياء التي تميّزها. هذا ما يعطي المقصورة قيمة خاصّة في تسجيل مآثر العرب وآثارهم ووصف محيطهم. مع العلم أنّ لابن دريد نزعة عربيّة أصيلة، يريد دائما أن يبقى عربيّا في تفكيره، وفي سلوكه ومعيشته، وفي كلّ شيء. فالتّيّارات – في زمنه – والعناصر غير العربيّة بدأت في الانتشار. هذا ما دفع به إلى النّزوع هذا المنزع. لذا نقول إنّ الاستفادة من أقواله وآثاره تكون مهمّة ومفيدة.

ج – هي خواطر ذاتيّة وخلاصة تجارب ابن دريد مع الدّهر والحياة؛ لما حفلت به من الحكم والأمثال والمواعظ والتّوجيهات، التي تعلّم الإنسان كيف يواجه صروف الزّمان. المقصورة - في حقيقتها - سيرة ذاتيّة لابن دريد، قدّمت بطريقة ذكيّة رائعة معبّرة عن رأيه في مختلف القضايا الإنسانيّة. سجّلها بصدق ورويّة وأناة، ونظرة ثاقبة وعميقة.

هذه السّيرة تعلّم المتلقّي اللّغةَ والأخلاقَ وأشياءَ كثيرة(1). يكاد كلّ من تعرّض لسيرة ابن دريد أو جانب منها، أو لأفكاره يستشهد بالمقصورة. هذا ما يضفي عليها طابع السّيرة الذّاتيّة.

د – جمع فيها أغراض الشّعر التّقليدية المعروفة في عصره، وضمّنها مجموعة من الموضوعات لأغراض تعليمية وتربوية …

هـ - تتميّز بطول النّفس، من دون الإخلال بالمعنى. فقد جاءت " متناسقة وسلسة المعاني ورائقة الألفاظ ومتماسكة البناء "(2)

و – إنّ ابن دريد وظّف ثقافته التّاريخية بمهارة في شعره، وبخاصّة في المقصورة " … فوجدناه يتأسّى بالأحداث التّاريخية التي تخدم مضمونه الذي يريد صوغه. وهذه الظّاهرة يستخدمها الشّعراء الحداثيّون الآن فيما يسمّونه (الامتصاص الشّعري)، وإقامة علاقات نصيّة بين الحاضر والغائب، ولم يكن يعلم هؤلاء أنّ ابن دريد الذي سبقهم قد مدّ يده في هذه الظّاهرة، وكانت له الرّيادة في توظيفها "(3)

2 - مكانة المقصورة في الأدب العربي

قال مقدّم كتاب جمهرة اللّغة:" شعره (أي ابن دريد) كثير، ومن معروف شعره (المقصورة) التي تغلغلت البلاد، ودخلت الغور والنّجاد، وأراد الشّعراء مقابلتها، وراموا مساجلتها، غير أنّه لم يبلغ شوطها أحد ولا صيتها، وبعد فهي جامعة لأخبار العرب وآثارها … "(4)

لقيت مقصورة ابن دريد رواجا كبيرا وقبولا حسنا عند الأدباء والباحثين: طبعا وترجمة، شرحا وإعرابا، معارضة وتخميسا، تسميطا واستلهاما … وذلك في مختلف الأزمنة. فقد ترجمت إلى اللاّتينية في القرن الثّامن عشر، وجلبت اهتمام المستشرقين(5). وممّن كتب من الأكاديميّين المعاصرين دراسة عن المقصورة أحمد بن عبد الغفور العطّار، طبعت هذه الدّراسة في مصر سنة 1956م(6).

إنّ المقصورة انتشرت انتشارا كبيرًا، وعني بها عناية لافتة للنّظر، هذا ما دفع ببعض الدّارسين إلى البحث عن أسباب ذلك، وعن العوامل التي ساعدت على حصولها على هذه الحظوة والمكانة المرموقة الخاصّة. ذكر الأستاذ علي بن محسن آل حفيظ مجموعة من العوامل منها:

1– ما أثارته من ضجّة حول اسم ابن دريد.

2 – لما فيها من فنّ واقتدار وحكمة ومثل.

3 – لما فيها من تسجيل حوادث التّاريخ.

4 - لما فيها من إشارات الأدباء أو مصطلحاتهم.

5ـ - لطولها الذي يصل إلى 250 بيتًا.

6– تناول الأدباء لها بالشّرح والمعارضة، وبالتّخميس والتّوشيح والإعراب، حيث وصلت شروحها إلى 35 شرحًا، كما هو مدوّن في مصادر تاريخ الأدب العربي.

7– ترجمتها إلى بعض اللّغات اللاّتينية.

8 – إجراء البحوث المقارنة عليها. "(7)

(1) - لمزيد من التّفصيل عن مقصورة ابن دريد، ينظر الخطيب التّبريزي، شرح مقصورة ابن دريد، تحقيق الدّكتور فخر الدّين قباوة، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان، سنة 1414هـ/ 1994م. والدّكتور عليّ عبد الخالق عليّ، الشّعر العماني مقوّماته واتّجاهاته وخصائصه الفنّية، دار المعارف بمصر، سنة 1984م، ص: 84، 85.

(2) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1143.

(3) - المرجع السّابق، ص: 1146.

(4) - كتاب جمهرة اللّغة، ج1، (المقدّمة)، ص: 10.

(5) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّالث، ص: 1771.

(6) - محمد بن الحسن بن دريد، ص: 146. عن بعض الدّراسات التي قدّمت عن مقصورة ابن دريد، ينظر كتاب: ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الثّاني، ص: 1259 – 1422.

(7) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 158، 159.

٩١ / ١٥٣