سلسلة أعلام الفكر والحضارة (1): ابن دريد الأزدي
الجزء ١ · صفحة ٩٩أحسن ما عرف عن ابن دريد من شعره وأجوده مقصورته، التي مدح بها عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبا العبّاس إسماعيل. هذه المقصورة تعدّ أربعة وخمسين ومائتي بيت (254) مطلعها:
يَا ظَبْيَةً أَشْبَهَ شَيْء ٍبِالمَهَا … تَرْعَى الخزَامَى بَيْنَ أَشْجَارِ النَّقَا(1)
تعدّ المقصورة نموذجا جيّدا من الأدب الرّفيع؛ صياغة وأسلوبا ومضمونا، ومنهجا محتذى في الكتابة الشّعريّة لكثير من الشّعراء في مختلف العصور. قال عنها الدّكتور محمد بن ناصر الشّهري: " فهذه هي مقصورة ابن دريد التي أبان فيها عن موهبة فنّية، وشاعرية حقّة، وبراعة في عرض مقدرته اللّغوية والأدبية والفنّية، فلا عجب أن تنال هذه العناية الكبيرة من العلماء والأدباء، ممّا يشي بملكة فنّية أدبية حقيقية لدى ابن دريد، أثمر وجودها ما لديه من مقوّمات الذّكاء والفطنة، والموهبة الشّعرية الخصبة "(2)
1 - أهميّة المقصورة
إنّ أهمّيتها تكمن كما يرى بعض الباحثين والدّارسين في:
أ – إنّها خلاصة تجارب تاريخيّة طويلة، وسجلّ لأسماء كثير من رجال الأدب والفكر والثّقافة والتّاريخ، الذين يُحتاج إلى الاطّلاع على سيرهم للإفادة منها.
ب – اشتملت على مادة لغويّة هائلة. قيل مثلا: " إنّها احتوت على أكثر المقصور في اللّغة العربيّة. "(3) ولذلك عدّها بعض الدّارسين معجمًا لمعظم الألفاظ المقصورة في اللّغة(4).قال عنها عبد القادر بن عمر البغدادي: " إنّها اشتملت على نحو الثّلث من المقصور، وفيها كلّ مثل سائر، وخبر نادر، مع سلامة ألفاظ، ورشاقة أسلوب، وانسجام معانٍ، يأخذ بمجاميع القلوب "(5) " هي كما وصفها … المتقدّمون معلمة للغة العربية، مقوّمة للسان "(6).
(1) - الدّيوان، تحقيق عمر، ابن سالم، ص: 115.
(2) - الدّكتور محمد بن ناصر الشّهري، " ابن دريد من خلال شعره "، ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 18.
(3) - الملاحن، تحقيق أبي إسحاق طفيش، ص: ط.
(4) - المرجع السّابق، المجلّد الثّاني، ص: 1263.
(5) - ابن دريد الأزدي (ندوة من أعلامنا الرّابعة)، ص: 60.
(6) - ابن دريد الأزدي أعلم الشّعراء وأشعر العلماء، المجلّد الأوّل، ص: 54.