سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٢

التّعامل مع التّاريخ، والإفادة منه، وتقديمه للأجيال بطرق صحيحة، ومنهج سليم في حاجة إلى ضبط قواعد القيام بكلّ ذلك، ويتطلّب وعي حقيقة التّاريخ، وتحديد مفهومه وخطره على سيرورة الحياة، وآثاره على من يتلقّاه، ومن يتعلّق به، ومن يهجره ويعاديه على السّواء … ومعرفة شروط التّحرّك بالتّاريخ لتحقيق الأهداف المرجوّة منه ضرورية.

كلّ هذا يتطلّب خطوة أولى أساسية، هي فقه مفهوم التّاريخ، ووعي مصطلحات ونظرات ينطلق منها، التي تستحقّ أن يحمل صفة (مؤرّخ)، أو يطمح أن يتقلّدها عن جدارة واستحقاق؛ احتّى يعلم جيّدًا ماذا يصنع بالتّاريخ، ويتقن أكثر عمله في الميدان. لأنّ التّاريخ محطّة مهمّة وخطيرة في حياة الشّعوب والأمم، فالأخطاء التي ترتكب باسمه، أو السّلبيات التي تنتح عن سوء استخدامه في الميدان تكون عواقبه وخيمة. من هنا كان لابدّ من حذق طريقة التّعامل مع التّاريخ والتّوجيه بالتّاريخ. من وسائل ذلك الاطّلاع على تجارب المحنّكين المتمكّنين، الذين يقدّمون آراءهم ونظريّاتهم، مصبوغة وموسومة بالواقعية، وبالنّظرة الشّمولية، ومشفوعة بنماذج من الممارسة الفعلية، والبحث المتواصل الدّؤوب في الأسفار، والسّير في مناكب الأرض بكثرة الأسفار، والجلوس إلى صانعي التّاريخ وطول الاستفسار.

من هؤلاء الذين قاموا بهذه الخطوات، وتركوا رصيدًا معرفيًّا جليلاً في موضوع التّاريخ: تنظيرًا وتطبيقًا، وممارسة ومدارسة، الشّيخ محمد علي دبّوز (1337 – 1402ه/ 1919 – 1981م) الذي نقدّم للقارئ الكريم عصارة فكره في مفهوم التّاريخ، عسى أن يحقّق هذا ما أشرنا إليه آنفًا.

من قراءاتي المتكرّرة لما كتبه الشّيخ محمد علي دبّوز في التّاريخ، ومن خلال ما أفدته في جلساتي معه ولقاءاتي المتعدّدة به … وجدت أنّ الشّيخ يحمل أفكارًا قيّمة - قد تكون خاصّة - عن التّاريخ، وعن طريقة التّعامل معه، والإفادة منه، وتوجيهه في التّربية والتّكوين. ووجدت عنده مفهومًا عميقًا للتّاريخ، يكاد بكون متمبّزًا، وفريدا، لم يسبق إليه. هذا الحكم يحتاج إلى تأنّ وتثبّت لتقريره، وهو ما تركني أنتظر تسع عشرة سنة لنشر ما كتبته عن مفهوم التّاريخ عنده(1)؛ حتّى أتمكّن من إعلان هذا الحكم أو ردّه، أي يتمّ هذا بعد الاطّلاع الواسع على ما كتب عن التّاريخ، وعن تجارب الأقطاب الذين عرفوا في هذا

(1) - كتبت هذا البحث في صيف 1991م، وها نحن اليوم ننشره؛ عسانا أن نتمكّن من التّوسّع فيه مستقبلا إن شاء الله.

٢ / ٦٤