سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٥

وبعدها عدم معرفة المصير المنتظر. وما الذي يجعلهم يثبتون وجودهم ويقفون أمام الأعاصير الهوجاء، التي تحول بينهم وبين تاريخهم، والتّيارات التي تبعدهم عن أصلهم؟ لن يكون سوى التّاريخ الذي يجب أن يعرفوه حقّ المعرفة.

لا ينبغي ولا يجوز أن لا نترك تاريخنا يمليه غيرنا علينا، كما شاءت له نفسه، رضيه هواه؛ لأنّ: التّاريخ محيي الأمم، وقد يكون قاتلَها إذا شربته من كاس غيرها " كما يقول رمضان حمّود.

يا معشر المثقّفين! آثارنا اندرست، وأدبنا تنوسي، وعظماؤنا أغمط حقّهم، وتراثنا أهمل، وتاريخنا شُوّه، وأبناؤنا ضاعوا في متاهات الجهل، وابتعدوا عن أصولهم؛ بسبب إهمالنا وتقاعسنا عن أداء واجبنا، حتّى قيل عنّا ما قيل: إنّكم لم تكتبوا أدبًا، ولم تشاركوا في نهضة، ولم تسجّلوا تاريخًا …

وبعد! أفلا تكون لنا من حياة أستاذنا عبر ودروس؟ فإذا كنّا نجهل دور التّاريخ في بناء النّفوس، وتكوين الشّخصية، وتحديد المصير، وإذا كنّا لا ندري ما أصاب تاريخنا من تحريف وتزييف، وإذا كنّا لا نعرف الأخطار المحدقة بنا وبأبنائنا وبمستقبلنا؛ نتيجة سكوتنا على عبث العابثين، وكيد الكائدين، وإذا كنّا لا نفقه معنى التّضحية في سبيل إرضاء الضّمير، وإذا كنّا لا نعرف معنى العزم والحزم … فلتكن لنا في حياة أستاذنا، وفي سيرته أجوبة مقنعة، تزيل عنّا كلّ ما ينتاب نفوسنا من شكوك، وكلّ ما يعوقها عن معرفة الحقيقة.

إخواني الباحثين! إذا كانت هناك مآخذ تؤخذ على أستاذنا، سواء في المنهج الذي اتّبعه، أو في المبالغات التي غدت سمة من سمات كتاباته، فلا يكفي أن نتحدّث عنها من وراء الحجب أو الجدر والأقنعة، وإنّما يجب أن نبرز إلى الميدان، ونقدّم أدلّة قاطعة على صدق نيّاتنا، وحرصنا على العمل الجادّ؛ بالبحث والكتابة، وتقديم البديل. أمّا أن نسمع جعجعات ولا نرى طحينًا، فذلك - والله - تثبيط للعزائم وإجهاز على المجهودات.

إخواني! إنّ الدّروس التي نستفيدها من حياة شيخنا، هي الاحتفال الحقيقي بذكراه، ومعاهدة النّفس على العمل والاستجابة لندائه، واستغلال مواهبنا وقدراتنا بما يعود على الأمّة بالخير في سبيل ازدهارها وتقدّمها، هي أحسن هديّة نهديها له في ذكراه، بعد دعائنا أن يتغمّده الله برحمته الواسعة، ويسكنه فسيح جنانه، إنّه سميع مجيب.

٤٥ / ٦٤