سلسلة من فكر العلماء العاملين (1): مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٤

وقد استطاع أن يحتلّ صدارة المراجع التي يعتمد عليها في كتابة تاريخ المغرب الكبير؛ لما يتّصف به من عمق في تحليل الأحداث وتدقيق في سرد الحقائق، وبراعة في الإبانة عن مكامن النّفوس، وجودة في الأسلوب. وقد أظهره للنّاس في ثوب قشيب: في أسلوب أدبي، يغري القارئ لمتابعة قراءته، ويجلب السّامع لمسايرته.

في الغرض نفسه أصدر كتابيه: " نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة" و " أعلام الإصلاح في الجزائر"، أرّخ فيهما النّهضة الجزائرية، فتحدّث عن عواملها ومظاهرها، من جمعيات إصلاحية، ومدارس ومعاهد تعليمية، وزوايا دينية، وجمعيات خيرية وثقافية، ونوادٍ أدبية، ومؤسّسات اجتماعية، وغير ذلك. كما خصّ بعض الزّعماء والأعلام الذين كانت لهم إسهامات مهمّة، أو أدوار أساسية في تلك النّهضة والإصلاح، فتتبّع حياتهم بشيء من التّفصيل الدّقيق والتّحليل العميق لأعمالهم، في مختلف المجالات والأصعدة؛ مسجّلا وبطريقة مطوّلة ومستفيضة الأطوار التي مرّت بها حياتهم، معلّقًا على الظّروف التي تقلّبوا فيها، شارحًا مواقفهم المشرّفة، وغير ذلك.

بهذه الأعمال يكون الشّيخ قد قدّم للأجيال خدمة لن تنسى، وأنار لهم الطّريق، فقرّبهم من تاريخهم، بعد أن أَبْعَدَ عنه ما شوّهه؛ ممّا نسبه إليه المغرضون ظلمًا وعدوانًا. فهلاّ عرفنا نحن قيمة هذه المجهودات المبذولة؟ ووعينا حقًّا الصّعوبات التي كانت عقبات كأداء في طريق أستاذنا؟

إذا كان هو قد ذهب إلى ربّه قرير العين، مرتاح الضّمير، وقد أدّى ما عليه، وقدّم للأجيال تاريخهم؛ خاليًا من أباطيل الحسّاد، وأغلاط المغرضين، وشطحات المستشرقين، وحاول إيقاظ النّفوس الخاملة من سباتها العميق، لتنهض كي تقوم بواجبها نحو تراثها ومجد آبائها. فهلاّ اعتبرنا بذلك، واستجبنا للنّداء ونفضنا غبار الكسل عن أنفسنا، وأفقنا من غفلتنا؟ ونهضنا من رقدتنا لإكمال الطّريق الذي بدأه شيخنا، ومواصلة النّهج الذي سلكه؟ حتّى نبرّه، ونبرّ آباءنا، وننصف تاريخنا، وقبل ذلك نقدّم الخير لأنفسناـ، فما ذلك على المجدّين المخلصين ببعيد، وما ذلك على الله بعزيز.

ليعلم المثقّفون أنّ مجتمعهم، حين سمح لهم بارتياد مراكز الثّقافة، والتّردّد على أماكن التّعلّم، كان يرمي إلى تأهيلهم وتكوينهم ليساعدوه في القضاء على المشاكل التي يتخبّط فيها. وهل هناك مشكلة أعظم من تلك التي نجد فيها الأبناء جاهلين لماضيهم؟ وبذلك لا يستطيعون تحديد رؤية واعية للمستقبل،

٤٤ / ٦٤