مفهوم التاريخ عند الشيخ محمد علي دبوز لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤٧مهّد الطّريق أمام الباحثين والدّارسين للعمل الجادّ، من أجل كتابة تاريخ الجزائر والمغرب العربي، بعد أن نقل كثيرًا من الحقائق من رؤوس المسجّلين لهذا التّاريخ، بمهجهم وأفكارهم وجهودهم، ومن العارفين به حقّ المعرفة، من الوثائق المهمّة الصّحيحة، ومن المخطوطات النّادرة، ومن الرّسائل المتبادلة الخاصّة. وذلك بعد طول مكث في المكتبات، وجلوس إلى الأساتذة والشّيوخ، وتجوال في الأقطار، وصبر على الكشف عمّا تحمله الوثائق من دلالات ومعانٍ، فكان له فضل الرّيادة في الكشف عن كنوز كثير من الحقائق؛ بفضل دأبه وتفانيه ومغامراته الصّعبة النّاجحة في سبيل إقامة تاريخ المغرب الإسلامي على عوده، بعدما أصابه من تحريف وتزييف وغمط لحقّه.
قام بذلك كلّه لإيمانه الرّاسخ بأنّ بناء الحاضر والمستقبل مرهونان بمعرفة الماضي، والعمل على تمثّله، وليقينه الثّابت بأنّ الأجيال لا يمكن لها أن تكشف ذاتها الحقيقية، وتميّزها عن غيرها، فتبني شخصيتها، إذا لم تكن لها الثّقة الكاملة بهذا الماضي، ثقة تساعدها على الاعتزاز به، ومحاولة حمايته، ثمّ الإضافة إليه، حتّى لا توصم بالخمول، فتؤول بعدها إلى الاضمحلال والذّوبان.
نظر الأستاذ إلى التّاريخ المغربي فوجده عبارة عن شطحات المستشرقين، ودسائس المستعمرين، ومكائد المغرضين، فتأكّد لديه وجوب العمل على تصحيح المفاهيم، وتوضيح الحقائق، وأن لا يتولّى ذلك غير أبناء الإسلام، الذين يكنّون له عطفًا وحنينًا، لا إلى الأجانب، الذين لا يحسنون سوى وضع السّمّ في الدّسم؛ متمثّلا بقول الشّاعر المناضل رمضان حمّود: " التّاريخ محيي الأمم، وقد يكون قاتلها إذا شربته من كأس غيرها ".
لقد برّ الأستاذ بوعده، ونفّذ ما دعا إليه، وأنقذ تاريخ أمّته من الضّياع، وقد استمرّ في هذا العمل الشّاق المضني ما يزيد عن الثّلاثين عامًا، قضاها في الجمع والتّنقيب والمقارنة، بإرادة لا تعرف الملل، وصير لا يعرف الحدود، فذهب إلى ربّه قرير العين، رحمه الله رحمة واسعة.
إسهامًا منَّا في الكشف عن جوانب من حياة الشّيخ محمد علي دبّوز، ارتأينا اطلاع القارئ على بعض آرائه في التّاريخ، وكيفية التّعامل معه، وطريقة تقديمه للأجيال لتستفيد منه؛ عسى هذه الإلمامة السّريعة أن تساعد المجدّ المخلص ليتبيّن طريقه، ويعرف واجبه نحو مجتمعه، ليكمل النّهج الذي بدأه أستاذنا، واختطّه بعزيمته وإرادته.