سلسلة من فكر العلماء العاملين (4): الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشباب لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣٨

المناسباتُ كوامنَها. في هذه المناسبة التي حقيقتها ومغزاها إعلان الفضل من أهله، ووصل لرحم علميّة، ولو أتى عليها النّسيان لأضحت مجفوَّةً. وبرًّا بإمامٍ، لو لم تعمر الأفئدة ذكراه والألسنة ذكره لأصبح حقُّه مكفورًا.

أيّها العلماء الخيرة! أيّها الآباء البررة! حيّاكم الله وبيّاكم، وأبقاكم عوامل رفع لهذا الوطن وأحياكم .. وأطال عمركم للعربيّة تعلون صروحها، وتنشقون في الأنفس لا في الأوراق شروحها، ولهذه الأمّة المسلمة تضمدون جروحها وتداوون قروحها، وللملّة الحنيفيّة تحمون حماها، وترمون من رماها. إنّ الإسلام والعروبة يا إخواني ويا أبنائي! إذا ذكرا ذابت القيود، وتلاشت الحدود، واجتمعت الأقطار على رحبها في بيت. وإنّ أخوّة الإسلام والعروبة لا تقوم على الأقوال، وإن طالت وكثرت، وإنّما تقوم على الأعمال والحقائق ..

ولو أوتينا رشدنا لأقمنا كلمتي المسلم العربي مقام هذا النّسب المعروف إلى البلدان والقبائل، فما هذا النّسب إلاّ ثغر ومداخل لشيطان. الوطنيّات الضّيّقة التي ليست من ديننا، ولا من ميراث سلفنا فتواصوا جميعًا بتحقيق هذه النّسبة الإسلاميّة العربيّة، ونثبيت أصولها في نفوس أبناء هذه الأمّة ..

أيّها الإخوان! أيّها الأبناء!

لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنّ لفقيدنا العزيز عبد الحميد، ابن باديس منّة على كلِّ من يحمل بين جنبيه روحًا جديدة من أبناء الجزائر، أينما كانوا، لا فرق في ذلك بين طلاَّب العلم وبين غيرهم، من طلاّب الحياة في جميع فروعها، وإنّ من دلائل الوفاء وشكر الصّنيع في نفوس أولئك الطّلاّب أن ينهجوا نهجه في التّفكير وطرائق الإصلاح، ويتعاونوا على إكمال ما بدأ بوضعه من أسس العلم والحياة، ويشاركوا في هذه الذّكريات التي تقام كلَّ سنة لعرض أعماله، واستخراج العبر من تلك الحياة التي ليست حياة فردٍ، وإنّما هي حياة أجيال، إذ كامل الوفاء لفقيدنا العزيز هو الذي عمل عمله في نفوس أبنائنا، وحدا بهذه الطّائفة المهاجرة في سبيل العلم بجامعة الزّيتونة المعمورة إلى إحياء هذه الذّكرى، في هذه السّنة بتونس. وإنّ في كون (الذّكرى) بتونس وفي مشاركة الأفذاذ النّوابغ من رجال العلم والأدب للَطائفَ دقيقة ومغازي سامية وإلهامات رقيقة، هي من آثار الرّوحيّة والوجدان والضّمير، لا من آثار المجاملة والتّدريس، فإذا جاوزنا الصّلة العلميّة الرّوحيّة العربيّة، جاءت الصّلة الزّيتونيّة الوثيقة، وإنّها لصلة مَرعيَّة الأنساب، مبرورة العهود، محكمة الوثائق.

أيّها الإخوان!

أشكركم شكرًا تثقل موازينه، يطرّزه الحبُّ، ويزيّنه برّكم بأخيكم وأخي الذي نفي بعهده الثّقيل، وأرجو أن تتضافر الأيدي وتتوافر الهمم، وتتعاون الألسنة والأقلام على خدمة هذا الدّين وتاريخه ولسانه، بهذا الوطن الذي هو قطعة من ذلك الإسلام، وركن من حصن العروبة الأشمّ ..

أحيِّي - على بعد الدّار – تونس العزيزة عليَّ، الحبيبة إليَّ، فكم لي بها من علاقات، يبلى الزّمان وهي جديدة، وأخلاق تنحطُّ القمم وهي أبدا عالية، وذخائر من صداقة وأصدقاء، هي – مع أعمالي – كلُّ رأس مالي. وواشوقاه إلى تونس!! وواشوقاه إليكم، أيّها الإخوان الخيرة والأبناء البررة!!

الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي

٣٨ / ٤٢